تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاَلَّذِي يُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حَتَّى يَغْتَسِلَ بِقِنْطَارِ مَاءٍ ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ : مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ ، وَمَنْ تَدَيَّنَ عُوقِبَ عُقُوبَةً تَزْجُرُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ ذَلِكَ ، كَسَائِرِ الْمُتَدَيِّنِينَ بِالْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ بَيِّنٌ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ . فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا يَفْعَلُ نَحْوَ هَذَا لِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ يَكُونُ نَجِساً أَوْ مُسْتَعْمَلاً ، بِأَنْ تَكُونَ الْآنِيَةُ مِثْلَ : الطَّاسَةِ اللَّاصِقَةِ بِالْأَرْضِ ، قَدْ تَنَجَّسَتْ بِمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ النَّجَاسَةِ ، ثُمَّ غَرَفَ بِهَا مِنْهُ ، أَوْ بِأَنَّ الْجُنُبَ غَمَسَ يَدَهُ فِيهِ فَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلاً ، أَوْ قَطَرَ عَلَيْهِ مِنْ عَرَقِ سَقْفِ الْحَمَّامِ النَّجِسِ ، أَوْ الْمُحْتَمِلِ النَّجَاسَةَ ، أَوْ غَمَسَ بَعْضُ الدَّاخِلِينَ أَعْضَاءَهُ فِيهِ وَهِيَ نَجِسَةٌ فَنَجَّسَتْهُ ، فَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ نَجَساً ، أَوْ مُسْتَعْمَلاً احْتَطْنَا لِدِينِنَا ، وَعَدَلْنَا إلَى الْمَاءِ الطَّهُورِ بِيَقِينٍ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك } . وَلِقَوْلِهِ : { مَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِعَرْضِهِ وَدِينِهِ } . قِيلَ : الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ . أَحَدُهَا : إنَّ الِاحْتِيَاطَ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ فِي أُمُورِ الْمِيَاهِ لَيْسَ مُسْتَحَبّاً وَلَا مَشْرُوعاً ، بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ . بَلْ الْمَشْرُوعُ أَنْ يُبْنَى الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى النَّجَاسَةِ نَجَّسْنَاهُ ، وَإِلَّا فَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْتَنِبَ اسْتِعْمَالَهُ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ ، وَأَمَّا إذَا قَامَتْ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ فَذَاكَ مَقَامٌ آخَرُ . وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ : أَنَّهُ مَا زَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةُ ، وَالتَّابِعُونَ يَتَوَضَّئُونَ وَيَغْتَسِلُونَ وَيَشْرَبُونَ مِنْ الْمِيَاهِ الَّتِي فِي الْآنِيَةِ ، وَالدِّلَاءِ الصِّغَارِ ، وَالْحِيَاضِ ، وَغَيْرِهَا ، مَعَ وُجُودِ هَذَا الِاحْتِمَالِ ، بَلْ كُلُّ احْتِمَالٍ لَا يُسْنَدُ إلَى أَمَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ نَوْعَانِ : مُحَرَّمٌ لِوَصْفِهِ ، وَمُحَرَّمٌ لِكَسْبِهِ . فَالْمُحَرَّمُ لِكَسْبِهِ : كَالظُّلْمِ ، وَالرِّبَا ، وَالْمَيْسِرِ . وَالْمُحَرَّمُ لِوَصْفِهِ : كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ