تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
فإن قال قائل : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " القضاء ثلاثة : فقاض اجتهد فأصاب فهو في الجنة ، وقاض حكم بغير الحق معتمدا ( فهو ) في النار ، وقاض اجتهد فأخطأ فهو في النار " . قيل له : أول ما في ( هذا ) : أن هذا الخبر قد دل على إباحة الاجتهاد ، لأنه حكم لمن أصاب في اجتهاده بالجنة ، ولولا أن الاجتهاد مأمور به لما استحق الجنة عند الإصابة في اجتهاده ، لان الاجتهاد لو كان محظورا لما استحق الثواب على ما أداه إليه ، لان السبب إذا كان محظورا ، فغير جائز أن يستحق الثواب على مسببه . ألا ترى أن من رمى مسلما محظور الدم . فأصاب كافرا حربيا : أنه لا يستحق الثواب بهذه الإصابة . لكون السبب الذي عنه كان محظورا . وأما قوله في الذي أخطأ : إنه في النار ، فإن الجواب عنه من وجهين : أحدهما : أنا لا نسوغ الاجتهاد في كل شئ ، وإنما نجيزه في بعض الأشياء دون بعض ، على ما بينا فيما سلف ، وعلى ما حكينا عن الصحابة ، في تقسيمنا اختلافهم على قسمين : أحدهما : ما كان من باب الاجتهاد والاخر خارج عن باب الاجتهاد وداخل في الأمور التي كلفوا إصابة المطلوب . فجايز أن يكون وعيد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك إنما خرج على من اجتهد فيما قد قامت دلالته وظهرت حجته فأخطأه ، كخطأ الخوارج وأضرابهم ، فهم في النار .