تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
( وشبه علي عليه السلام الجد ينهر يأخذ منه جدول ، ثم يتشعب منه شعبتان ، وشبهه زيد بن ثابت بغصن نبت من شجرة ، ثم نبت من الغصن غصنان . وقال عمر رضي الله عنه في رسالته المشهورة إلى أبي موسى : وقس الامر عند ذلك ، وقال ابن مسعود : ( لقد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ، ولسنا هناك ، فمن عرض له قضاء ، فليقض بما في كتاب الله تعالى وإن لم يكن في كتاب الله ، فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليجتهد رأيه ) . ولو لم يكن الاجتهاد في إدراك أحكام الحوادث عندهم سائغا ، لا نكره بعضهم على بعض ، ولما جاز منهم وقوع التواطؤ على ترك النكير على القائل به ، وكان لا أقل أن يكون بينهم فيه خلاف ، فيقول به بعضهم ، وينفيه بعضهم ، كسائر ما اختلفوا مما طريقه الاجتهاد ، وإن لم يظهر منه نكير على القائل به ، وكان لا أقل أن يكون بينهم فيه خلاف ، فيقول به بعضهم ، كسائر ما اختلفوا ، مما طريقه الاجتهاد ، وإن لم يطهر منهم نكير على القائل به . فلما توافوا كلهم على تجويزه - إما رجل قد يستعلمه وأخبر عن نفسه به ، وإما رجل لم ينكره ، إذ لم يحفظ عنه قول في المسائل - ثبت بذلك إجماعهم عليه . ألا ترى أنهم لما اختلفوا فيما طريق الحق فيه واحد ، ولا يسوغ الاجتهاد في العدول عنه ، خرجوا منه إلى اللحن والبراءة ، ونصب الحرب والقتال ، كنحو اختلافهم ( في إنشاء ) حرب الجمل وصفين ، وقتال الخوارج ، لما كان الحق فيه واحدا وكان الدليل عليه قائما بارزا ، لم يسوغوا الاجتهاد فيه ، ولم يكن منزلة هذا الخلاف عندهم كمنزلة الخلاف في الجد ، والخلية ، والبرية ، والحرام ، وما أشبه ذلك . فدل ما وصفنا على انعقاد اتفاق السلف ، على تسويغ الاجتهاد في أحكام الحوادث .
الفصول في الأصول — صفحة 56 | الجصاص / عجيل جاسم النمشي