تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
بحقيقة واحدة ، فما أنكرتم من مثله فيما اختلفت الأمة فيه من صفات الله تعالى وأفعاله ، ونحوها ، وأن يكونوا متعبدين باعتقاد ما يغلب في ظنونهم ، وليس عليهم شئ من المغيب عند الله تعالى من حقيقة المظنون ، إذ لم يكلفوا المغيب . وجائز للانسان إذا غلب في ظنه الشئ أن يقول : هو كذا ، ومراده أنه كذلك عندي ، وفي ظني ، فيكون صادقا . ألا نرى : أنه يجوز إن غلب في ظنه أن الكعبة في هذه الجهة ، أن يقول : هذه جهة الكعبة ، ويقول آخر غلب في ظنه جهة أخرى : إن هذه جهتها ، وإنما يرجع فيه إلى ما عنده لا إلى المغيب عند الله تعالى من حقيقتها . وقد حكى الله تعالى عن بعض أنبيائه عليهم السلام : أنه أماته مائة عام ثم بعثه " قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم " وكان صادقا ، لأن إطلاقه ذلك كان متعلقا بما كان غلب في ظنه . وحكى الله تعالى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا : " لبثنا يوما أو بعض يوم " وكانوا صادقين في قولهم ، إذ كان قولهم ذلك إنما صدر عن ظنونهم ، وما كان عندهم في اعتقادهم ، وقال ذو اليدين للنبي صلى الله عليه وسلم : " أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كل ذلك لم يكن " ومعناه : لم يكن عندي ، فإذا قد جاز إطلاق ذلك من الأنبياء صلوات الله عليهم والأتقياء الممدوحين ، وكان ذلك منهم متعلقا بغالب ظنونهم ، دون ما يجوز ورود النص به ، ودون حقيقة مظنونهم ، فما أنكرتم أن يكون كذلك حكم ما اختلفت الأمة فيه ؟ وأن كل من غلب في ظنه شئ واستقر غلبة رأيه متعبد باعتقاد ما غلب في ظنه ، وأن يجوز له الاخبار به على الاطلاق ، أنه كذلك ، على حسب ما حكيناه عمن أطلق ذلك ، وكان إطلاقه ( سائغا جائزا ) بما عنده في غالب ظنه . الجواب : أن ما قدمنا كاف لمن يتدبره في إسقاط هذا السؤال من الوجوه التي ذكرنا ، وفي إجازة ما شاء منه هذا السائل إجازة إباحة الجهل بالله تعالى وبصفاته .