بحقيقة واحدة ، فما أنكرتم من مثله فيما اختلفت الأمة فيه من صفات الله تعالى وأفعاله ،
ونحوها ، وأن يكونوا متعبدين باعتقاد ما يغلب في ظنونهم ، وليس عليهم شئ من
المغيب عند الله تعالى من حقيقة المظنون ، إذ لم يكلفوا المغيب .
وجائز للانسان إذا غلب في ظنه الشئ أن يقول : هو كذا ، ومراده أنه كذلك عندي ،
وفي ظني ، فيكون صادقا .
ألا نرى : أنه يجوز إن غلب في ظنه أن الكعبة في هذه الجهة ، أن يقول : هذه جهة
الكعبة ، ويقول آخر غلب في ظنه جهة أخرى : إن هذه جهتها ، وإنما يرجع فيه إلى ما عنده
لا إلى المغيب عند الله تعالى من حقيقتها .
وقد حكى الله تعالى عن بعض أنبيائه عليهم السلام : أنه أماته مائة عام ثم بعثه " قال
كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم " وكان صادقا ، لأن إطلاقه ذلك كان متعلقا بما
كان غلب في ظنه .
وحكى الله تعالى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا : " لبثنا يوما أو بعض يوم " وكانوا
صادقين في قولهم ، إذ كان قولهم ذلك إنما صدر عن ظنونهم ، وما كان عندهم في اعتقادهم ،
وقال ذو اليدين للنبي صلى الله عليه وسلم : " أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كل ذلك لم يكن "
ومعناه : لم يكن عندي ، فإذا قد جاز إطلاق ذلك من الأنبياء صلوات الله عليهم والأتقياء
الممدوحين ، وكان ذلك منهم متعلقا بغالب ظنونهم ، دون ما يجوز ورود النص به ، ودون
حقيقة مظنونهم ، فما أنكرتم أن يكون كذلك حكم ما اختلفت الأمة فيه ؟ وأن كل من غلب
في ظنه شئ واستقر غلبة رأيه متعبد باعتقاد ما غلب في ظنه ، وأن يجوز له الاخبار به على
الاطلاق ، أنه كذلك ، على حسب ما حكيناه عمن أطلق ذلك ، وكان إطلاقه ( سائغا
جائزا ) بما عنده في غالب ظنه .
الجواب : أن ما قدمنا كاف لمن يتدبره في إسقاط هذا السؤال من الوجوه التي ذكرنا ،
وفي إجازة ما شاء منه هذا السائل إجازة إباحة الجهل بالله تعالى وبصفاته .
الفصول في الأصول — صفحة 380
مساهمون: الجصاص
ص٣٨٠