تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
وأيضا : فلا يخلو القائل بذلك من أن يجوز على الله تعالى تكليف المجتهدين فيه العلم بحقيقة القولين ، حتى يكون مكلفا لكل واحد منهم صحة وقوع العلم بحقيقة ما أداه إليه اجتهاده ونظره ، على اختلاف المقالتين ، وتضاد المذهبين ، أو يكلف كل واحد منهم الظن بما أداه إليه اجتهاده ، دون حقيقة العلم . فإن كان تكليفه إياهما متعلقا بحقيقة العلم ، فإنا قد علمنا أن حقيقة العلم واحدة ، لا يجوز أن يتعلق بها علمان متضادان ، فتكون معلومة من تلك الجهة بالعلمين . كما لا يجوز أن يكون للشئ الواحد حقيقتان متضادتان . فلما استحال ذلك علمنا استحالة تكليف أهل العلم بها على وجهين متضادين ، ( وإن قلنا : إنه كلفهما الظن فحسب ، دون حقيقة العلم من حيث لا يستحيل وجود الظن منهما على وجهين متضادين ) . وإن كانت الحقيقة واحدة ، فإن ذلك ممتنع من الوجوه التي ذكرنا ، إذا لم يكن مقارنا للنظر المؤدي إلى المعرفة ، وكان مع الإعراض عن النظر وسكون النفس إلى ما يغلب في الظن ، فأما إذا كان مقارنا للنظر وطلب الحقيقة ، فإنه قد يكون الظن مباحا على هذا الوجه بسبب ما يستفرغ مدة النظر ، فيؤديه إلى المعرفة والعلم بحقيقة المطلوب . ويمتنع أيضا : تكليف الظن على الوجه الذي ذكرنا ، من جهة ورود النص بمثله ومن جهة ما فيه من إباحة الجهل بالله تعالى وبصفاته ، وبما وصفنا من ظهور دليل الحقيقة منها ، وبما وصفنا من اتفاق الجميع من المختلفين ، على أن الحق في واحد منهما ، وعلى تأثيم من خالف فيه ، وهو متفارق لما وصفنا من الاجتهاد في أحكام حوادث القياس من سائر الوجوه التي ذكرنا . أحدها : أنه ليس في الحكم مما طريقه حقيقة واحدة ، بل حكمه على كل أحد إمضاء ما أداه إليه اجتهاده ، وسائر الأمور التي ذكرنا من العدل والجبر والتوحيد والتشبيه قد حصلت على حقيقة معلومة ، فغير جائز أن يكون الحكم عند الله تعالى بخلاف حقائقها .