تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
ومنها : أن أحكام الحوادث إنما يصح تكليفها على الوجه الذي يجوز ورود النص به ، كاختلاف فرض المسافر والمقيم ، والحائض والطاهر . ولما امتنع ورود النص في سائر الأشياء التي ذكرنا على الوجوه المختلفة لم يصح تكليف اعتقادها على تلك الوجوه . فإن قال قائل : ما أنكرت أن يكون على واحد من المختلفين في صفات الله تعالى وأفعاله إنما كلف ما غلب في ظنه ، واستولى على رأيه ، دون إصابة الحقيقة ، إذ لا يستحيل وجود الظن من كل واحد منهم على الوجوه المختلفة ، فيصح تكليفهم ذلك ، دون المغيب عند الله تعالى من حقيقته . كما كلف المتحري للكعبة الاعتقاد بما يغلب في ظنه من جهتها ، مع اختلاف الجهات وتضادها ، فكلف واحد الاعتقاد بأنها في جهة الشمال ، إذا غلب ذلك في ظنه ، وكلف الآخر الاعتقاد بأنها في جهة الجنوب ، عند غلبه ذلك في ظنه ، مع تضاد الجهتين ، واستحالة ورود النص بهما ، والكعبة لها حقيقة واحدة عند الله تعالى ، وجهة واحدة لا يؤثر فيها اجتهاد المجتهدين ، ولا يغيرها عن جهتها التي هي فيها اختلاف المختلفين . وكذلك فرض على واحد غلب في ظنه عدالة الشهود ، اعتقاد عدالتهم وإمضاء الحكم بشهادتهم ، وفرض على آخر غلب في ظنه ( فسقهم ) : اعتقاد فسقهم ، وإلغاء شهادتهم ، ومعلوم أنهم لا يخلون من أن يكونوا عند الله تعالى عدولا أو فساقا ، قد حصلت حالهم عند الله تعالى على إحدى جهتين . وكذلك النفقات ، وتقويم المستهلكات ، ومقادير المكيلات ، والموزونات ، قد تختلف آراء المجتهدين فيها على حسب ما يغلب في ظنونهم ، ومعلوم أن لهذه الأمور حقائق عند الله تعالى ، قد حصلت على وجه واحد ، إما موافقة لظن بعضهم ، أو مخالفة لظن جميعهم ، إذ جائز أن يكون الحق في غير ما قالوا : ومع ذلك فغير جائز ورود النص بها على الوجوه التي حصل اختلاف المختلفين فيها ، فقد صح تكليفهم الظنون على اختلافها وتضادها ،