إصابة الأشبه بعينه ، لم تكن السلامة إلا في وجه واحد يضل تاركه ، ويأثم العادل عنه .
وقد علم كل عاقل متى كان للحادثة وجهان ، أو ثلاثة من الحكم ، كان ذلك أسهل
وأوسع .
فلما كان ذلك كذلك لم يكلفهم إصابة الأشبه ، ( ولا الوصول ) إليه بعينه ، إذ لم ينصب
لهم دليلا دون غيره ، وجعل الحكم الذي تعبدهم به هو ( ما ) كان في اجتهادهم أنه
الأشبه ، دون ما يعلم الله تعالى أنه ( هو ) الأشبه .
ولنا على ما ذكرنا من ذلك دلائل من الكتاب ، والسنة ، وإجماع السلف ، والنظر
الصحيح .
فأما دليله من الكتاب : فقول الله تعالى : " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة
على أصولها فبإذن الله " روي أنها نزلت في غزوة بني النضير ، حين غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم ،
فحرق بعض المسلمين نخلهم إرادة منه لغيظهم ، وتركها بعض ، وقال : إن الله تعالى قد
وعدنا أن يغنمناها .
فأنزل الله تعالى تصويب الفريقين في قوله تعالى : " ما قطعتم من لينة أو تركتموها
قائمة على أصوله فبإذن الله " فكانوا مجتهدين ، فأخبر الله أن الوجهين جميعا مما ذهبوا إليه
حكم الله تعالى ، على اختلافهم فيهما ، إذ كان ذلك مبلغ اجتهادهم .
الفصول في الأصول — صفحة 303
مساهمون: الجصاص
ص٣٠٣