وأما القسمان الأولان : فليسا من باب الاجتهاد ، ولا يجوز أن يكون الامر فيهما موكولا
إلى آراء المجتهدين ، وذلك لان الله تعالى قد نصب عليهما دلائل عقلية ، تقضي بالناظر
فيها إلى وقوع العلم بهما .
وإنما نصب الدلائل ( عليها ) فيما كلفنا علمه منها ، لأنه غير جائز أن يتعبدنا الله تعالى
فيهما ، بخلاف ما عليه حالهما مما يقتضي حظرا ( و ) إيجابا .
وأما القسم الثالث فهو على وجهين :
أحدهما : لله تعالى عليه دليل منصوب في أحكام الحوادث التي الناظر إلى العلم
( فيها ) بمدلوله فليس هذا من باب الاجتهاد .
وكذلك يجب فسخ قضاء القاضي به إذا قضى فيه بغير الحق عندنا .
والوجه الآخر : ليس حكم الله تعالى فيه شيئا بعينه ، وإنما حكمه على كل مجتهد من
الفقهاء ما يؤديه إليه اجتهاده ، فيكون كل منهم متعبدا بما استقر عليه رأيه وغالب ظنه
بعد الاجتهاد ، على السبيل الذي كان يجوز ورود النص به ، وذلك لأنه لم ينصب له دليلا
بعينه على الأشبه الذي يتحرى المجتهد موافقته ، ويطلبه باجتهاده ، وإنما جعل للحادثة
أشباها وأمثالا من الأصول ، وأخفى علم الأشبه الذي هو المطلوب عنهم ، توسعة منه تعالى
على عباده ، ورحمته منه لهم ، ونظرا منه وتخفيفا ، لئلا يضيق عليهم أحكام الحوادث بأن
لا يكون لها إلا طريق ، كما قال تعالى : " وما جعل عليكم في الدين من جرح ملة أبيكم
إبراهيم " وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( جئتكم بالحنيفية السمحة ) .
ولو كلف الله تعالى العلماء القياس على أصل واحد وألا يزيغوا عنه ، وافترض عليهم
الفصول في الأصول — صفحة 302
مساهمون: الجصاص
ص٣٠٢