وجهة أخرى : وهي أن علل الشرع لما كانت مبنية على السمع ، ثم جاز تخصيص
المسموع الذي هو الأصل ، فالفرع الذي هو مبنى ( عليه أولى ) بالجواز ، إذ كان
الأصل آكد من الفرع .
ألا ترى : أن راد المسموع نفسه يستحق التفكير ، وراد العلل المستنبطة لا يستحق
ذلك ، فعلمت أن المسموع آكد في باب ثبوته من العلل المستنبطة منه .
فمن حيث جاز تخصيص المسموع ، كان تخصيص علله التي هي فرع له أولى
بذلك .
فإن قيل : لا يجوز اعتبار العلل فيما وصفت بالأسماء ، لأن الاسم إنما جاز فيه
التخصيص ، لان ما يبقى بعد التخصيص يصح أن يكون اللفظ ( عبارة عنه ، نحو قوله :
" اقتلوا المشركين " ، وقوله : " والسارق والسارقة " جاز أن يكون هذا الاسم ) عبارة
عن الباقي بعد التخصيص ، وذلك غير موجود في العلل ، لأن العلل إنما تعلق بها الحكم
لوجودها ، ومتى لم تكن كذلك لم تكن علة .
قيل ( له ) : قد رضينا بهذه القضية إن كنت ممن تعقل معاني العلل الشرعية .
فنقول : إنه لما جاز تخصيص العموم من حيث صلح أن يكون اللفظ عبارة عن الباقي
بعد التخصيص ، ( جاز أيضا تخصيص العلل الشرعية ، من حيث صلح أن تكون أمارة الباقي
بعد التخصيص ) .
ألا ترى : أنه يمتنع أن تجعل العلة أمارة في موضع دون موضع ، كما جاز في الاسم ،
فلو جعلنا ذلك ابتداء دليل على قولنا صح الاستدلال به .
الفصول في الأصول — صفحة 262
مساهمون: الجصاص
ص٢٦٢