تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
للايصال إلى العلم بكونها أمارة للحكم ، ثم العقل هو الذي يجيز تخصيصه ، كما يجيز تخصيص المسموع نفسه . أولا ترى : أن هذه المعاني قد كانت معقولة من جهة الاستنباط في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، من أجله أمر معاذا بالاجتهاد فيما يرد عليه من الحوادث . ثم لم يمتنع مع ذلك جواز ورود النسخ والتخصيص عليها ، وعلى أصولها المسموعة . ولم تصر من أجل ما ذكرت بمنزلة العلل ( العقلية ) التي لا يجوز عليها التبديل . فبان بما وصفت سقوط هذا السؤال ، وصح أن كونها مستنبطة من جهة العقل لا يمنع من جواز التخصيص فيها . دليل آخر : وهو أن علل الشرع لما كانت علامات وسمات للأحكام على حسب ما تقدم من بيانها ، صارت كالأسماء التي هي سمات وأمارات للمسميات . فمن حيث جاز أن يعلق الحكم بالاسم فيكون دلالة عليه ، وعلامة له ، ثم جاز مع ذلك أن يجعل ذلك الاسم بعينه علما لحكم آخر غيره ، مثل تحريم الله تعالى العمل على اليهود يوم السبت ، وكان اسم السبت علما للتحريم ، ثم أباحه لنا ، فصار ذلك الاسم بعينه علما للإباحة ، وجاز من أجل ذلك تخصيصها ، من حيث جاز عليها النسخ والتبديل . وجب أن يكون كذلك العلل التي هي دلالات الأسماء ، هي جارية مجراها في باب جواز التخصيص عليها ، حسب جوازه في الأسماء من حيث لم يمتنع أن ينصب الله تعالى الأوصاف التي هي علل أعلاما ، للإباحة تارة ، وللحظر أخرى ، على حسب إيجابه في الأسماء التي منها اقتضت هذه العلل . فلما جرت هذه العلل مجرى الأسماء من الوجه الذي ذكرنا ، وجب أن يكون ( حكمها حكمها ) في باب جواز التخصيص عليها ، كجوازها فيها ، فيكون المعنى الجامع بينهما : أن كل واحد من الامرين قد يجوز أن ينصبه الله تعالى تارة علما للحظر ، وتارة علما للإباحة .