تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
القياس وأجروا الحكم على العلة ، لأوجب ذلك أن لا يطهر الثوب الذي تصيبه النجاسة ، أو البدن أو الأواني أبدا ، وإن غسل خمسين مرة ، من قبل أن الماء الأول يلاقي نجسا ، فيتنجس ، ثم يزول بعد ملاقاته للنجاسة ، وحصول حكمها فيه . فكان يجب أن يصير حكم هذا الماء النجاسة التي كانت في الثوب ، فلا يطهر ، كذلك الماء الثاني يلاقي ماء نجسا ، فلا تزول إلا بعد ملاقاته للنجاسة ، وانتقال حكمها إليه ، وكذلك الماء الثالث والرابع وما بعده ، ( وإن كثر ) ، إلا أنهم تركوا القياس ، وحكموا بطهارته إذا زال عين النجاسة ، لإجماع الأمة على طهارته إذا صار بهذا الحد ، فهذا وجه مما ترك القياس فيه ، وحكم موجب العلة بالإجماع . ومما تركوا القياس فيه ، وخصوا الحكم مع وجود العلة لعمل الناس : ما ثبت عندهم أن عقود الإجارات لا تجوز إلا بأجر معلوم ، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( من استأجر أجيرا فليعلمه أجره ) فصارت أبدال المعلوم من المنافع كأبدال الوجود من الأعيان ، في باب اعتبار كونها معلومة في العقد . وكذلك قالوا - إذا استأجر عبدا أو دارا - : إن الحاجة إلى معرفة المدة كهي إلى مقدار الأجرة ، فلم يجيزوها بأجر مجهول ، ولا على مدة مجهولة . فلو لزموا هذا الاعتبار وأعطوا العلة حقها مما يقتضيه من الحكم ويوجبه ، لوجب أن لا يجوز للانسان دخول الحمام حتى يبين مقدار ما يعطي من الأجرة ، ومقدار لبثه في الحمام وما يصب على نفسه من الماء ، إلا أنهم تركوا القياس في ذلك ، واتبعوا عمل الناس ، وإجازتهم له . والمراد بقولهم : عمل الناس : أن السلف من الصحابة وعلما التابعين قد كانوا يشاهدون الناس يفعلون ذلك ، فلم يظهر من أحد منهم نكير على فاعله ، فصار ذلك إجازة منهم له ،