تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
فإن قال قائل : قد أثبتم الحدود بالاستحسان فضلا عن القياس ، لأنكم قلتم في أربعة شهدوا على رجل بالزنا ( في بيت ، فشهد اثنان انه زنا بها في هذه الناحية منه ، وشهد آخران منهم أنه زنى بها في هذه الناحية منه ) أن القياس أن لا يحد ، ويحد استحسانا ، وكتبكم مملوءة من المسائل القياسية في الحدود ، وهذا بخلاف ما أصلت من نفي القياس في إثبات الحدود . قيل له : أما قولك : إنا أثبتنا الحدود بالاستحسان ، فليس كما ظننت ، والأصل الذي عقدناه في نفي إثبات الحدود بالقياس صحيح ، لا يعترض عليه ما ذكرت في ذلك ، لأنا إنما أردنا بقولنا ، لا تثبت الحدود القياسا ، ( أنا ) لا نبتدئ إيجاب حد بقياس في غير ما ورد فيه التوقيف ، فلا نوجب حد الزنا في غير الزنا قياسا ، كما أثبتنا تحريم التفاضل في غير البر قياسا عليه ، ولا نثبت حد السرقة في غير السرقة ، من نحو ( المختلس والمنتهب والخائن والغاصب قياسا على السارق ، ولا نثبت حد القذف ) من نحو التعريض قياسا ، ولا نثبت كفارة رمضان في غير الافطار في رمضان قياسا على الافطار في رمضان ، وإن ( كان ) بعض الفقهاء قد أوجبها في الافطار في قضاء رمضان ، قياسا على رمضان ، وبعضهم أوجب حد القذف في التعريض . وأما الاستدلال من جهة القياس على مواضع الحدود ، فهو جائز عندنا ، بعد أن لا يكون فيه إيجاب حد في غير ما ورد فيه التوقيف . وكذلك يجوز الاستدلال على مواضع الكفارات بالقياس . ألا ترى أن الله تعالى وإن أوجب حد الزنا على الزاني ، فإن من الزناة من لا يجب عليه الحد ، فنحن متى استعملنا القياس في إيجاب حد الزنا ، فإنما نستدل بالقياس على أنه ممن دخل في الآية وأريد بها ، وأنه ليس من الزناة المخصوصين من الآية .
الفصول في الأصول — صفحة 107 | الجصاص / عجيل جاسم النمشي