أقول : إن كان الغرض مما ذكر - من عدم التخطئة - بيان قبح
مؤاخذة الجاهل بالتحريم ، فهو حسن مع عدم بلوغ وجوب الاحتياط
عليه من الشارع ، لكنه راجع إلى الدليل العقلي الآتي ( 1 ) ، ولا ينبغي
الاستشهاد له بخصوص أهل الشرائع ، بل بناء كافة العقلاء وإن لم يكونوا
من أهل الشرائع على قبح ذلك .
وإن كان الغرض منه أن بناء العقلاء على تجويز الارتكاب مع
قطع النظر عن ملاحظة قبح مؤاخذة الجاهل ، حتى لو فرض عدم قبحه
- لفرض العقاب من اللوازم القهرية لفعل الحرام مثلا ، أو فرض المولى
في التكاليف العرفية ممن يؤاخذ على الحرام ولو صدر جهلا - لم يزل
بناؤهم على ذلك ، فهو مبني على عدم وجوب دفع الضرر المحتمل ،
وسيجئ الكلام فيه ( 2 ) إن شاء الله .
الرابع من الأدلة : حكم العقل بقبح العقاب على شئ من دون
بيان التكليف .
ويشهد له : حكم العقلاء كافة بقبح مؤاخذة المولى عبده على فعل
ما يعترف بعدم إعلامه أصلا بتحريمه .
ودعوى : أن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان عقلي
فلا يقبح بعده المؤاخذة ، مدفوعة : بأن الحكم المذكور على تقدير ثبوته
لا يكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه ، وإنما هو بيان لقاعدة
هامش
( 1 ) يأتي بعد سطور .
( 2 ) انظر الصفحة 57 ، 91 و 122 - 126 .