وإن كان بعضها أفحش من بعض ، ولكن اسم الحرابة يتناولها ، ومعنى الحرابة
موجود فيها ، ولو خرج بعضا في المصر يقتل بالسيف ويؤخذ فيه بأشد من
ذلك لا بأيسره . فإنه سلب غيلة ، وفعل الغيلة أقبح من فعل المجاهرة ، ولذلك
دخل العفو في قتل المجاهرة فكان قصاصا ، ولم يدخل في قتل الغيلة ، فكان
حرابة ، فتحرر أن قطع السبيل موجب للقتل . وقال :
لقد كنت أيام تولية القضاء قد رفع إلي أمر قوم خرجوا محاربين في
رفقة ، فأخذوا منهم امرأة - مغالبة على نفسها من زوجها ، ومن جملة
المسلمين معه - فاختلفوا بها ، ثم جد فيهم الطلب ، فأخذوا وجئ بهم ، فسألت
من كان ابتلاني الله به من المفتين ، فقالوا :
ليسوا محاربين ، لان الحرابة إنما تكون في الأموال لا في الفروج .
فقلت لهم : " إنا لله وإنا إليه راجعون " ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج
أفحش منها في الأموال ، وإن الناس ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب بين
أيديهم ، ولا يرضون أن يحرب المرء في زوجته وبنته ؟ ولو كان فوق ما قال
الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج ، وحسبكم من بلاء صحبة الجهال ،
وخصوصا في الفتيا والقضاء .
وقال القرطبي : والمغتال كالمحارب ، وهو أن يحتال في قتل إنسان على
أخذ ماله ، وإن لم يشهر السلاح ، ولكن دخل عليه بيته أو صحبه في سفر ،
فأطعمه سما فقتله ، فيقتل حدا لا قودا ، وقريب من هذا القول رأي ابن
حزم حيث يقول : إن المحارب هو المكابر ، المخيف لأهل الطريق ، المفسد
في سبل الأرض ، سواء بسلاح أم بلا سلاح أصلا . سواء ليلا أم نهارا ، في
مصر أم فلاة ، أم في قصر الخليفة ، أم في الجامع سواء ، وسواء فعل ذلك بجند
أم بغير جند ، منقطعين في الصحراء أم أهل قرية ، سكانا في دورهم أم أهل
حصن كذلك ، أم أهل مدينة عظيمة أم غير عظيمة ، كذلك واحد أم أكثر ،
كل من حارب المارة وأخاف السبيل بقتل نفس أو أخذ مال ، أو لجراحة ،
أو لانتهاك عرض ، فهو محارب عليه وعليهم ، كثروا أو قلوا " .
ومن ثم يتبين أن مذهب ابن حزم واسع المذاهب بالنسبة للحرابة ، ومثله
فقه السنة — صفحة 469
مساهمون: الشيخ سيد سابق
ص٤٦٩