تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفتن — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
لكان قبيحا ، كذلك نفت هذه المدرسة أن يكون للفرد حرية واختيار وقدرة على خلق أفعاله . ومع ذلك فهي ترى أنه من الممكن أن المكلف الكافر بالإيمان مع عدم استطاعته له . بناء على إرادة الله ومشيئته ( 1 ) ومما سبق يمكن القول أن الاختلاف بين المذاهب قد وقع . وأن هناك من أصاب الحقيقة أو اقترب منها . وأن هناك من ابتعد عنها وقطع شوطا كبيرا في عالم الفتنة والتأويل . ذلك العالم الذي يدخله الذين في قلوبهم زيغ . وأن العمود الفقري لهذا الاختلاف ، تلك الآراء التي تعارض بعضها بعضا فيما يختص بمعرفة الله عز وجل . بمعنى أن الاختلاف في معرفة الله هو عمدة الاختلافات . والله تعالى لم يترك معرفته للعباد كي يقولوا فيها بآرائهم ، وإنما بعث الأنبياء والرسل ليبينوا ذلك لأممهم ، لأن الهدف من خلق الجن والإنس أن يعبدوا الله . ولا تصح عبادة لله إلا بمعرفة الله . فالمنحرفين من أهل الكتاب يعبدون الله ، ولكنهم انحرفوا عن المعرفة الحقة . فأصبحت العبادة هباء ضائع في خلاء . . في رأينا أن أسباب هذا الاختلاف ، يعود إلى إبعاد الراسخين في العلم عن مزاولة عملهم الرسالي وسوق الناس إلى صراط العزيز الحميد ، لينالوا سعادة الدنيا بما يتوافق مع الكمال الأخروي . وهذا الاختلاف يصرخ في أعمال الوجود . إن الكتاب لو كان في غير حاجة إلى الراسخين في العلم أصحاب التأويل ، لأجمع الناس على مدلوله ولم تفترق الأمة . ولكن الاختلاف قد وقع عندما جلس الذين يحتاجون إلى التعليم والإرشاد على المقاعد الأولى . ليصبحوا قرين القرآن الذي اشتمل تبيان كل شئ ، وأول هذه الأشياء معرفة الباري جل وعلا . ولقد تحدثنا من قبل أن الله تعالى جعل المودة والرحمة بين الزوجين . لتكون أرضية إنشاء البيت المسلم وانتصارا للفطرة . وأخر مودة ذي القربى أجرا للرسالة الخاتمة . والفرق بين المودة بين الزوجين وبين مودة ذي القربى ، أن الأولى مجعولة داخل النسيج الإنساني . أما الثانية فمأمور بها لتكون حركة لينظر الله إلى عباده كيف يعملون . فالدائرة الأولى وقود للدائرة الثانية ،
هامش
( 1 ) تاريخ الفرق الإسلامية 157 .