تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفتن — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
جسد واحد ، قال تعالى : ( إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا * فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ) ( 1 ) . فالخطاب لجبابرة قريش ، ولم يقل لهم مثلا : كما أرسلنا إلى مدين رسولا ، أو إلى ثمود رسولا ، وإنما قال : ( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ) ، لقد وضعهم في كفة النمط البشري المستكبر الذي يتسلق من أجل العلو في الأرض . وليس معنى هذا أن المجتمع القرشي كله في صدر الدعوة كان يحمل البصمة الفرعونية ، لأن مجتمع فرعون موسى كان به مؤمن آل فرعون والسيدة آسية وفي هذا كفاية ، لأن الدعوة لا تقاس باللحوم وكثرة العدد وإنما تقاس بالصدق والثبات على المبدأ . فقريش كانت تقف في الصدر الأول على أرضية الفراعنة . وهم على نفس الأرضية خاطبهم القرآن ، وذكرهم أن فرعون عصى الرسول وخطه المتمثل في هارون . ولما كانت المقدمة تحمل عصيان فإن النتيجة جاءت بالأخذ الوبيل . والوليد بن عبد الملك كما ذكرنا كان الشخص الذي امتص التجربة كلها ، داخل النفسية القرشية المتمثلة في الظالمين من بني أمية . وإذا كنا قد علمنا أن أوتاد الخيمة الفرعونية القديمة تقويم على أرضية مصالح الفرعون . والتي هي نفسها مصالح الدائرة الفرعونية من كهنة وغوغاء ورعاع . وأن أهم هذه الأوتاد قول فرعون ( يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ) ( 2 ) . وأن فرعون بقوله هذا قام بتعطيل منهاج الفطرة ، وجعل من نفسه مصدرا للتشريع . ثم قوله : ( ما أريكم إلا ما أرى ) ( 3 ) ، قال المفسرون : أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي . وإنه على يقين مما يهدي إليه قومه . . . وأنه بهذا القول جعل من مقعده حيث الجهل والظلام منبرا للعلم ، وأن هذه الأوتاد ما كان لها أن تقوم إلا على أرضية ثقافية استخفت بالعقول على دروب المتاجرة بالدين . ألم يقل لهم :
هامش
( 1 ) سورة المزمل : الآية 15 - 16 . ( 2 ) سورة القصص : الآية 38 . ( 3 ) سورة غافر : الآية 29 .