تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
( فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ) فإن المعنى : زينوا لهم ما بين أيديهم من أمور الدنيا وشهواتها ، وحملوهم على الوقوع في معاصي الله بانهماكهم فيها ، وزينوا لهم ما خلفهم من أمور الآخرة فقالوا : لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار . وقال الزجاج : ما بين أيديهم ما عملوه ، وما خلفهم ما عزموا على أن يعملوه . وروي عن الزجاج أيضا أنه قال : ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار ، وما خلفهم من أمر الدنيا ( وحق عليهم القول ) أي وجب وثبت عليهم العذاب ، وهو قوله سبحانه - لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين - و ( في أمم ) في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم ، والمعنى : كائنين في جملة أمم ، وقيل في بمعنى مع : أي مع أمم من الأمم الكافرة التي ( قد خلت ) ومضت ( من قبلهم من الجن والإنس ) على الكفر ، وجملة ( إنهم كانوا خاسرين ) تعليل لاستحقاقهم العذاب ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ) أي قال بعضهم لبعض لا تسمعوه ولا تنصتوا له ، وقيل معنى لا تسمعوا : لا تطيعوا ، يقال سمعت لك : أي أطعتك ( والغوا فيه ) أي عارضوه باللغو والباطل ، أو ارفعوا أصواتكم ليتشوش القارئ له . وقال مجاهد : ألغوا فيه بالمكاء والتصدية والتصفيق والتخليط في الكلام حتى يصير لغوا . وقال الضحاك : أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول . وقال أبو العالية : قعوا فيه وعيبوه . قرأ الجمهور " والغوا " بفتح الغين ، من لغا إذا تكلم باللغو ، وهو ما لا فائدة فيه ، أو من لغى بالفتح يلغى بالفتح أيضا كما حكاه الأخفش ، وقرأ عيسى بن عمر والجحدري وابن أبي إسحاق وأبو حيوة وبكر بن حبيب السهمي وقتادة والسماك والزعفراني بضم الغين . وقد تقدم الكلام في اللغو في سورة البقرة ( لعلكم تغلبون ) أي لكي تغلبوهم فيسكتوا . ثم توعدهم سبحانه على ذلك فقال ( فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ) وهذا وعيد لجميع الكفار ، ويدخل فيهم الذين السياق معهم دخولا أوليا ( ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ) أي ولنجزينهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا . قال مقاتل : وهو الشرك . وقيل المعنى : أنه يجازيهم بمساوئ أعمالهم لا بمحاسنها كما يقع منهم من صلة الأرحام وإكرام الضيف ، لأن ذلك باطل لا أجر له مع كفرهم ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم ، وهو مبتدأ وخبره جزاء أعداء الله ، أو خبر مبتدأ محذوف . أي الأمر ذلك ، وجملة ( جزاء أعداء الله النار ) مبينة للجملة التي قبلها ، والأول أولى وتكون النار عطف بيان للجزاء ، أو بدلا منه ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ والخبر ( لهم فيها دار الخلد ) . وعلى الثلاثة الوجوه الأولى تكون جملة لهم فيها دار الخلد مستأنفة مقررة لما قبلها ، ومعنى دار الخلد : دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها ( جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون ) أي يجزون جزاء بسبب جحدهم بآيات الله . قال مقاتل : يعنى القرآن يجحدون أنه من عند الله ، وعلى هذا يكون التعبير عن اللغو بالجحود لكونه سببا له ، إقامة للسبب مقام المسبب ( وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس ) قالوا هذا وهم في النار ، وذكره بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه ، والمراد أنهم طلبوا من الله سبحانه أن يريهم من أضلهم من فريق الجن والإنس من الشياطين الذين كانوا يسولون لهم ويحملونهم على المعاصي ، ومن الرؤساء الذين كانوا يزينون لهم الكفر . وقيل المراد إبليس وقابيل لأنهما سنا المعصية لبني آدم . قرأ الجمهور " أرنا " بكسر الراء . وقرأ ابن محيصن والسوسي عن أبي عمرو وابن عامر بسكون الراء ، وبها قرأ أبو بكر والمفضل وهما لغتان بمعنى واحد . وقال الخليل : إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه وبالسكون أعطنيه ( نجعلهما تحت أقدامنا ) أي ندسهما بأقدامنا لنشتفي منهم ، وقيل نجعلهم أسفل منا في النار ( ليكونا من الأسفلين ) فيها مكانا ، أو ليكونا من الأذلين المهانين ، وقيل ليكونوا أشد عذابا منا . ثم لما ذكر عقاب الكافرين وما أعده لهم ذكر حال المؤمنين وما أنعم عليهم