وأما على قول من فسر الجلود بالفروج فوجه تخصيصها بالسؤال ظاهر ، لأن ما يشهد به الفرج من الزنا أعظم قبحا
وأجلب للخزي والعقوبة ، وقد قدمنا وجه إفراد السمع وجمع الأبصار ( قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ )
أي أنطق كل شئ مما ينطق من مخلوقاته فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح ، وقيل المعنى : ما نطقنا باختيارنا ،
بل أنطقنا الله . والأول أولى ( وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ) قيل هذا من تمام كلام الجلود ، وقيل مستأنف
من كلام الله ، والمعنى : أن من قدر على خلقكم وإنشائكم ابتداء قدر على إعادتكم ورجعكم إليه ( وما كنتم
تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ) هذا تقريع لهم وتوبيخ من جهة الله سبحانه ، أو من
كلام الجلود : أي ما كنتم تستخفون عند الأعمال القبيحة حذرا من شهادة الجوارح عليكم ، ولما كان الإنسان
لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا ترك المعصية . وقيل معنى الاستتار
الاتقاء : أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفا من هذه الشهادة
و " أن " في قوله ( أن تشهد ) في محل نصب على العلة : أي لأجل أن تشهد ، أو مخافة أن تشهد . وقيل منصوبة
بنزع الخافض ، وهو الباء ، أو عن ، أو من . وقيل إن الاستتار مضمن معنى الظن : أي وما كنتم تظنون أن
تشهد ، وهو بعيد ( ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعلمون ) من المعاصي فاجترأتم على فعلها ، قيل كان الكفار
يقولون : إن الله لا يعلم ما في أنفسنا ولكن يعلم ما نظهر دون ما نسر . قال قتادة : الظن هنا بمعنى العلم ، وقيل
أريد بالظن معنى مجازي يعم معناه الحقيقي وما هو فوقه من العلم ، ( و ) الإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى ما ذكر من
ظنهم ، وهو مبتدأ وخبره ( ظنكم الذي ظننتم بربكم ) وقوله ( أرداكم ) خبر آخر للمبتدأ : وقيل إن أرداكم في
محل نصب على الحال المقدرة . وقيل إن ظنكم بدل من ذلكم ، والذي ظننتم خبره ، وأرداكم خبر آخر ، أو حال
وقيل إن ظنكم خبر أول ، والموصول وصلته خبر ثان ، وأرداكم خبر ثالث ، والمعنى : أن ظنكم بأن الله لا يعلم
كثيرا مما تعملون أهلككم وطرحكم في النار ( فأصبحتم من الخاسرين ) أي الكاملين في الخسران . ثم أخبر عن حالهم
فقال ( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ) أي فإن يصبروا على النار فالنار مثواهم : أي محل استقرارهم وإقامتهم
لا خروج لهم منها . وقيل المعنى : فان يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار ، فالنار مثوى لهم ( وإن يستعتبوا
فما هم من المعتبين ) يقال أعتبني فلان : أي أرضاني بعد إسخاطه إياي وإستعتبته طلبت منه أن يرضى ، والمعنى :
أنهم إن يسألوا أن يرجع بهم إلى ما يحبون لم يرجع لأنهم لا يستحقون ذلك . قال الخليل : تقول إستعتبته فأعتبني :
أي استرضيته فأرضاني ، ومعنى الآية : إن يطلبوا الرضى لم يقع الرضى عنهم ، بل لا بد لهم من النار . قرأ الجمهور
" يستعتبوا " بفتح التحتية وكسر التاء الفوقية الثانية مبنيا للفاعل . وقرأوا " من المعتبين " بفتح الفوقية اسم مفعول
وقرأ الحسن وعبيد بن عمير وأبو العالية " يستعتبوا " مبنيا للمفعول " فما هم من المعتبين " اسم فاعل : أي إنهم إن أقالهم
الله وردهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته كما في قوله سبحانه - ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه - .
وقد أخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله ( فهم يوزعون ) قال : يحبس أولهم على آخرهم . وأخرج ابن المنذر
وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : يدفعون . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : كنت مستترا
بأستار الكعبة ، فجاء ثلاثة نفر : قرشي وثقفيان ، أو ثقفي وقرشيان ، كثير لحم بطونهم قليل فقه قلوبهم ، فتكلموا
بكلام لم أسمعه ، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع كلامنا هذا ؟ فقال الآخران : إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإنا إذا
لم نرفعه لم يسمعه ، فقال الآخران : إن سمع منه شيئا سمعه كله ، قال : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
فتح القدير — صفحة 512
مساهمون: الشوكاني
ص٥١٢