أي مشئومات ذوات نحوس . قال مجاهد وقتادة : كن آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء ، وذلك سبع
ليال وثمانية أيام حسوما ، وقيل نحسات باردات ، وقيل متتابعات ، وقيل شداد ، وقيل ذوات غبار . قرأ نافع
وابن كثير وأبو عمرو " نحسات " بإسكان الحاء على أنه جمع نحس وقرأ الباقون بكسرها ، واختار أبو حاتم القراءة
الأولى لقوله - في يوم نحس مستمر - واختار أبو عبيد القراءة الثانية ( لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ) أي
لكي نذيقهم ، والخزي هو الذل والهوان بسبب ذلك الاستكبار ( ولعذاب الآخرة أخزى ) أي أشد إهانة وذلا ،
ووصف العذاب بذلك ، وهو في الحقيقة وصف للمعذبين ، لأنهم الذين صاروا متصفين بالخزي ( وهم لا ينصرون )
أي لا يمنعون من العذاب النازل بهم ولا يدفعه عنهم دافع . ثم ذكر حال الطائفة الأخرى فقال ( وأما ثمود فهديناهم )
أي بينا لهم سبيل النجاة ودللناهم على طريق الحق بإرسال الرسل إليهم ، ونصب الدلالات لهم من مخلوقات الله ،
فإنها توجب على كل عاقل أن يؤمن بالله ويصدق رسله . قال الفراء : معنى الآية دللناهم على مذهب الخير بإرسال
الرسل . قرأ الجمهور " وأما ثمود " بالرفع ومنع الصرف . وقرأ الأعمش وابن وثاب بالرفع والصرف . وقرأ
ابن عباس وابن أبي إسحاق وعاصم في رواية بالنصب والصرف . وقرأ الحسن وابن هرمز وعاصم في رواية بالنصب
والمنع ، فأما الرفع فعلى الابتداء والجملة بعده الخبر ، وأما النصب فعلى الاشتغال ، وأما الصرف فعلى تفسير
الاسم بالأب أو الحي ، وأما المنع فعلى تأويله بالقبيلة ( فاستحبوا العمى على الهدى ) أي اختاروا الكفر على الإيمان
وقال أبو العالية : اختاروا العمى على البيان . وقال السدي : اختاروا المعصية على الطاعة ( فأخذتهم صاعقة
العذاب الهون ) قد تقدم أن الصاعقة اسم للشيء المهلك لأي شئ كان ، والهون الهوان والإهانة فكأنه قال
أصابهم مهلك العذاب ذي الهوان أو الإهانة ، ويقال عذاب هون : أي مهين كقوله - ما لبثوا في العذاب المهين -
والباء في ( بما كانوا يكسبون ) للسببية أي بسبب الذي كانوا يكسبونه ، أو بسبب كسبهم ( ونجينا الذين آمنوا
وكانوا يتقون ) وهم صالح ومن معه من المؤمنين فان الله نجاهم من ذلك العذاب ثم لما ذكر سبحانه ما عاقبهم به
في الدنيا ذكر عاقبهم به في الآخرة فقال ( ويوم يحشر أعداء الله إلى النار ) وفي وصفهم بكونهم أعداء الله مبالغة
في ذمهم ، والعامل في الظرف محذوف دل عليه ما بعده تقديره : يساق الناس يوم يحشر ، أو بأذكر : أي
أذكر يوم يحشرهم . قرأ الجمهور " يحشر " بتحتية مضمومة ورفع أعداء على النيابة ، وقرأ نافع " نحشر " بالنون
ونصب أعداء ، ومعنى حشرهم إلى النار سوقهم إليها أو إلى موقف الحساب ، لأنه يتبين عنده فريق الجنة وفريق
النار ( فهم يوزعون ) أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا ، كذا قال قتادة والسدي وغيرهما ، وقد
سبق تحقيق معناه في سورة النمل مستوفى ( حتى إذا ما جاءوها ) أي جاءوا النار التي حشروا إليها أو موقف الحساب
و " ما " مزيدة للتوكيد ( شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ) في الدنيا من المعاصي . قال
مقاتل : تنطق جوارحهم بما كتمت الألسن من عملهم بالشرك ، والمراد بالجلود هي جلودهم المعروفة في قول أكثر
المفسرين . وقال السدي وعبيد الله بن أبي جعفر والفراء : أراد بالجلود الفروج ، والأول أولى ( وقالوا لجلودهم
لم شهدتم علينا ) وجه تخصيص الثلاثة بالشهادة دون غيرها ما ذكره الرازي أن الحواس الخمس : وهي السمع والبصر
والشم والذوق واللمس ، وآلة المس هي الجلد ، فالله سبحانه ذكر هنا ثلاثة أنواع من الحواس ، وهي السمع
والبصر واللمس ، وأهمل ذكر نوعين وهما الذوق والشم ، فالذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه ، لأن
إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام ، وكذلك الشم لا يتأتى حتى تصير جلدة الحنك
مماسة لجرم المشموم ، فكانا داخلين في جنس اللمس ، وإذا عرفت من كلامه هذا وجه تخصيص الثلاثة بالذكر
عرفت منه وجه تخصيص الجلود بالسؤال لأنها قد اشتملت على ثلاث حواس ، فكان تأتي المعصية من جهتها أكثر
فتح القدير — صفحة 511
مساهمون: الشوكاني
ص٥١١