تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
كانوا أمنع من هؤلاء وأشد قوة وأكثر أموالا ، وكم هي الخبرية الدالة على التكثير ، وهي في محل نصب بأهلكنا على أنها مفعول به ، ومن قرن تمييز ، " ومن " في " من قبلهم " هي لابتداء الغاية ( فنادوا ولات حين مناص ) النداء هنا : هو نداء الاستغاثة منهم عند نزول العذاب بهم ، وليس الحين حين مناص . قال الحسن : نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل . والمناص مصدر ناص ينوص ، وهو الفوت والتأخر . ولات بمعنى ليس بلغة أهل اليمن . وقال النحويون : هي لا التي بمعنى ليس زيدت عليها التاء كما في قولهم : رب وربت ، وثم وثمت قال الفراء : النوص التأخر ، وأنشد قول امرئ القيس : * أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص * قال : يقال ناص عن قرنه ينوص نوصا : أي فر وزاغ . قال الفراء : ويقال ناص ينوص : إذا تقدم . وقيل المعنى : أنه قال بعضهم لبعض مناص : أي عليكم بالفرار والهزيمة ، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص ، فقال الله ( ولات حين مناص ) قال سيبويه : لات مشبهة بليس ، والاسم فيها مضمر : أي ليس حيننا حين مناص . قال الزجاج : التقدير وليس أواننا . قال ابن كيسان : والقول كما قال سيبويه ، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء ، وبه قال المبرد والأخفش . قال الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش : والتاء تكتب منقطعة عن حين ، وكذلك هي في المصاحف . وقال أبو عبيد : تكتب متصلة بحينن ، فيقال " ولا تحين " ومنه قول أبي وجرة السعدي : العاطفون تحين ما من عاطف * والمطعمون زمان ما من مطعم وقد يستغنى بحين عن المضاف إليه كما قال الشاعر : تذكر حب ليلى لات حينا * وأمسى الشيب قد قطع القرينا قال أبو عبيد : لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن . قلت : بل قد يزيدونها في غير ذلك كما في قول الشاعر : فلتعرفن خلائقا مشمولة * ولتندمن ولات ساعة مندم وقد أنشد الفراء هذا البيت مستدلا به على أن من العرب من يخفض بها ، وجملة ( ولات حين مناص ) في محل نصب على الحال من ضمير نادوا . قرأ الجمهور " لات " بفتح التاء ، وقرئ " لات " بالكسر كجير ( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ) أي عجب الكفار الذين وصفهم الله سبحانه بأنهم في عزة وشقاق أن جاءهم منذر منهم : أي رسول من أنفسهم ينذرهم بالعذاب إن استمروا على الكفر ، وأن وما في حيزها في محل نصب بنزع الخافض أي من أن جاءهم ، وهو كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع من أنواع كفرهم ( وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ) قالوا هذا القول لما شاهدوا ما جاء به من المعجزات الخارجة عن قدرة البشر : أي هذا المدعي للرسالة ساحر فيما يظهره من المعجزات كذاب فيما يدعيه من أن الله أرسله . قيل ووضع الظاهر موضع المضمر لإظهار الغضب عليهم وأن ما قالوه لا يتجاسر على مثله إلا المتوغلون في الكفر . ثم أنكروا ما جاء به صلى الله عليه وآله وسلم من التوحيد وما نفاه من الشركاء لله فقالوا ( أجعل الآلهة إلها واحدا ) أي صيرها إلها واحدا وقصرها على الله سبحانه ( إن هذا لشئ عجاب ) أي لأمر بالغ في العجب إلى الغاية . قال الجوهري : العجيب الأمر الذي يتعجب منه ، وكذلك العجاب بالضم والعجاب بالتشديد أكثر منه . قرأ الجمهور " عجاب " مخففا . وقرأ علي والسلمي وعيسى بن عمر وابن مقسم بتشديد الجيم . قال مقاتل : عجاب يعني بالتخفيف لغة أزد شنوءة ، قيل والعجاب بالتخفيف والتشديد يدلان على أنه قد تجاوز الحد في العجب ، كما يقال الطويل الذي فيه طول ، والطوال الذي قد تجاوز حد الطول
فتح القدير — صفحة 420 | الشوكاني