كانوا أمنع من هؤلاء وأشد قوة وأكثر أموالا ، وكم هي الخبرية الدالة على التكثير ، وهي في محل نصب بأهلكنا
على أنها مفعول به ، ومن قرن تمييز ، " ومن " في " من قبلهم " هي لابتداء الغاية ( فنادوا ولات حين مناص )
النداء هنا : هو نداء الاستغاثة منهم عند نزول العذاب بهم ، وليس الحين حين مناص . قال الحسن : نادوا بالتوبة
وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل . والمناص مصدر ناص ينوص ، وهو الفوت والتأخر . ولات بمعنى ليس
بلغة أهل اليمن . وقال النحويون : هي لا التي بمعنى ليس زيدت عليها التاء كما في قولهم : رب وربت ، وثم وثمت
قال الفراء : النوص التأخر ، وأنشد قول امرئ القيس : * أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص *
قال : يقال ناص عن قرنه ينوص نوصا : أي فر وزاغ . قال الفراء : ويقال ناص ينوص : إذا تقدم . وقيل
المعنى : أنه قال بعضهم لبعض مناص : أي عليكم بالفرار والهزيمة ، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص ، فقال الله
( ولات حين مناص ) قال سيبويه : لات مشبهة بليس ، والاسم فيها مضمر : أي ليس حيننا حين مناص . قال
الزجاج : التقدير وليس أواننا . قال ابن كيسان : والقول كما قال سيبويه ، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء ، وبه
قال المبرد والأخفش . قال الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش : والتاء تكتب منقطعة عن حين ،
وكذلك هي في المصاحف . وقال أبو عبيد : تكتب متصلة بحينن ، فيقال " ولا تحين " ومنه قول أبي وجرة السعدي :
العاطفون تحين ما من عاطف * والمطعمون زمان ما من مطعم
وقد يستغنى بحين عن المضاف إليه كما قال الشاعر :
تذكر حب ليلى لات حينا * وأمسى الشيب قد قطع القرينا
قال أبو عبيد : لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن . قلت : بل قد يزيدونها في غير ذلك
كما في قول الشاعر :
فلتعرفن خلائقا مشمولة * ولتندمن ولات ساعة مندم
وقد أنشد الفراء هذا البيت مستدلا به على أن من العرب من يخفض بها ، وجملة ( ولات حين مناص ) في محل
نصب على الحال من ضمير نادوا . قرأ الجمهور " لات " بفتح التاء ، وقرئ " لات " بالكسر كجير ( وعجبوا
أن جاءهم منذر منهم ) أي عجب الكفار الذين وصفهم الله سبحانه بأنهم في عزة وشقاق أن جاءهم منذر منهم :
أي رسول من أنفسهم ينذرهم بالعذاب إن استمروا على الكفر ، وأن وما في حيزها في محل نصب بنزع الخافض
أي من أن جاءهم ، وهو كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع من أنواع كفرهم ( وقال الكافرون هذا ساحر كذاب )
قالوا هذا القول لما شاهدوا ما جاء به من المعجزات الخارجة عن قدرة البشر : أي هذا المدعي للرسالة ساحر فيما
يظهره من المعجزات كذاب فيما يدعيه من أن الله أرسله . قيل ووضع الظاهر موضع المضمر لإظهار الغضب عليهم
وأن ما قالوه لا يتجاسر على مثله إلا المتوغلون في الكفر . ثم أنكروا ما جاء به صلى الله عليه وآله وسلم من التوحيد
وما نفاه من الشركاء لله فقالوا ( أجعل الآلهة إلها واحدا ) أي صيرها إلها واحدا وقصرها على الله سبحانه ( إن هذا
لشئ عجاب ) أي لأمر بالغ في العجب إلى الغاية . قال الجوهري : العجيب الأمر الذي يتعجب منه ، وكذلك
العجاب بالضم والعجاب بالتشديد أكثر منه . قرأ الجمهور " عجاب " مخففا . وقرأ علي والسلمي وعيسى بن عمر وابن
مقسم بتشديد الجيم . قال مقاتل : عجاب يعني بالتخفيف لغة أزد شنوءة ، قيل والعجاب بالتخفيف والتشديد
يدلان على أنه قد تجاوز الحد في العجب ، كما يقال الطويل الذي فيه طول ، والطوال الذي قد تجاوز حد الطول
فتح القدير — صفحة 420
مساهمون: الشوكاني
ص٤٢٠