تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
قوله ( ص ) قرأ الجمهور بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور فإنها ساكنة الأواخر على الوقف . وقرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم وابن أبي عبلة وأبو السماك بكسر الدال من غير تنوين ، ووجه الكسر أنه لالتقاء الساكنين ، وقيل وجه الكسر أنه من صادي يصادي إذا عارض ، والمعنى صاد القرآن بعملك : أي عارضه بعملك وقابله فاعمل به . وهذا حكاه النحاس عن الحسن البصري وقال : إنه فسر قراءته هذه بهذا ، وعنه أن المعنى : أتله وتعرض لقراءته . وقرأ عيسى بن عمر : صاد بفتح الدال ، والفتح لالتقاء الساكنين ، وقيل نصب على الإغراء . وقيل معناه : صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به ، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو ، وروي عن ابن إسحاق أيضا أنه قرأ " صاد " بالكسر والتنوين تشبيها لهذا الحرف بما هو غير متمكن من الأصوات . وقرأ هارون الأعور وابن السميفع " صاد " بالضم من غير تنوين على البناء نحو منذ وحيث . وقد اختلف في معنى " صاد " فقال الضحاك : معناه صدق الله . وقال عطاء : صدق محمد . وقال سعيد بن جبير : هو بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين . وقال محمد بن كعب : هو مفتاح اسم الله . وقال قتادة : هو اسم من أسماء الله . وروي عنه أنه قال : هو اسم من أسماء الرحمن . وقال مجاهد : هو فاتحة السورة . وقيل هو مما استأثر الله بعلمه ، وهذا هو الحق كما قدمنا في فاتحة سورة البقرة . قيل وهو إما اسم للحروف مسرودا على نمط التعبد ، أو اسم للسورة ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو منصوب بإضمار أذكر أو اقرأ ، والواو في قوله ( والقرآن ذي الذكر ) هي واو القسم ، والإقسام بالقرآن فيه تنبيه على شرف قدره وعلو محله ، ومعنى ( ذي الذكر ) أنه مشتمل على الذكر الذي فيه بيان كل شئ . قال مقاتل : معنى ( ذي الذكر ) ذي البيان . وقال الضحاك : ذي الشرف كما في قوله - لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم - أي شرفكم ، وقيل أي ذي الموعظة . واختلف في جواب هذا القسم ما هو ؟ فقال الزجاج والكسائي والكوفيون غير الفراء : إنه قوله - إن ذلك لحق - وقال الفراء : لا نجده مستقيما لتأخره جدا عن قوله ( والقرآن ) ورجح هو وثعلب أن الجواب قوله ( كم أهلكنا ) وقال الأخفش : الجواب هو ( إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ) وقيل هو صاد ، لأن معناه حق ، فهو جواب لقوله " والقرآن " كما تقول حقا والله ، وجب والله . ذكره ابن الأنباري ، وروي أيضا عن ثعلب والفراء ، وهو مبني على أن جواب القسم يجوز تقدمه وهو ضعيف . وقيل الجواب محذوف ، والتقدير : والقرآن ذي الذكر لتبعثن ونحو ذلك . وقال ابن عطية : تقديره ما الأمر كما يزعم الكفار ، والقول بالحذف أولى . وقيل أن قوله " ص " مقسم به ، وعلى هذا القول تكون الواو في " والقرآن " لعطف عليه ، ولما كان الإقسام بالقرآن دالا على صدقه ، وأنه حق ، وأنه ليس بمحل للريب قال سبحانه ( بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) فأضرب عن ذلك وكأنه قال لا ريب فيه قطعا ، ولم يكن عدم قبول المشركين له لريب فيه . بل هم في عزة عن قبول الحق : أي تكبر وتجبر وشقاق : أي وامتناع عن قبول الحق ، والعزة عند العرب : الغلبة والقهر ، يقال : من عز بز أي من غلب سلب ، ومنه - وعزني في الخطاب - أي غلبني ، ومنه قول الشاعر : يعز على الطريق بمنكبيه * كما أنترك الخليع على القداح والشقاق : مأخوذ من الشق وقد تقدم بيانه . ثم خوفهم سبحانه وهددهم بما فعله بمن قبلهم من الكفار فقال ( كم أهلكنا من قبلهم من قرن ) يعني الأمم الخالية المهلكة بتكذيب الرسل : أي كم أهلكنا من الأمم الخالية الذين