تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
كما قيل ( إنا كذلك نجزي المحسنين ) هذه الجملة تعليل لما قبلها من التكرمة لنوح بإجابة دعائه وبقاء الثناء من الله عليه وبقاء ذريته : أي إنا كذلك نجزي من كان محسنا في أقواله وأفعاله راسخا في الاحسان معروفا به ، والكاف في كذلك نعت مصدر محذوف : أي جزاء كذلك الجزاء ( إنه من عبادنا المؤمنين ) هذا بيان لكونه من المحسنين وتعليل له بأنه كان عبدا مؤمنا مخلصا لله ( ثم أغرقنا الآخرين ) أي الكفرة الذين لم يؤمنوا بالله ولا صدقوا نوحا . ثم ذكر سبحانه قصة إبراهيم وبين أنه ممن شايع نوحا فقال ( وإن من شيعته لإبراهيم ) أي من أهل دينه وممن شايعه ووافقه على الدعاء إلى الله وإلى توحيده والإيمان به . قال مجاهد : أي على منهاجه وسنته . قال الأصمعي : الشيعة الأعوان وهو مأخوذ من الشياع ، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد ، وقال الفراء : المعنى وإن من شيعة محمد لإبراهيم ، فالهاء في شيعته على هذا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذا قال الكلبي . ولا يخفى ما في هذا من الضعف والمخالفة للسياق . والظرف في قوله ( إذ جاء ربه بقلب سليم ) منصوب بفعل محذوف : أي أذكر ، وقيل بما في الشيعة من معنى المتابعة . قال أبو حيان : لا يجوز لأن فيه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي ، وهو إبراهيم ، والأولى أن يقال : إن لام الابتداء تمنع ما بعدها من العمل فيما قبلها ، والقلب السليم المخلص من الشرك والشك . وقيل هو الناصح لله في خلقه ، وقيل الذي يعلم أن الله حق ، وأن الساعة قائمة ، وأن الله يبعث من في القبور . ومعنى مجيئه إلى ربه يحتمل وجهين : أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته . الثاني عند إلقائه في النار . وقوله ( إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون ) بدل من الجملة الأولى ، أو ظرف لسليم ، أو ظرف لجاء ، والمعنى : وقت قال لأبيه آزر وقومه من الكفار : أي شئ تعبدون ( أئفكا آلهة دون الله تريدون ) انتصاب إفكا على أنه مفعول لأجله ، وانتصاب آلهة على أنه مفعول تريدون ، والتقدير : أتريدون آلهة من دون الله للإفك ، ودون ظرف لتريدون ، وتقديم هذه المعمولات للفعل عليه للاهتمام . وقيل انتصاب إفكا على أنه مفعول به لتريدون ، وآلهة بدل منه ، جعلها نفس الإفك مبالغة ، وهذا أولى من الوجه الأول . وقيل انتصابه على الحال من فاعل تريدون : أي أتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك . قال المبرد : الإفك أسوأ الكذب ، وهو الذي لا يثبت ويضطرب ومنه ائتفكت بهم الأرض ( فما ظنكم برب العالمين ) أي ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره وما ترونه يصنع بكم ؟ وهو تحذير مثل قوله - ما غرك بربك الكريم - وقيل المعنى : أي شئ توهمتموه بالله حتى أشركتم به غيره ( فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ) قال الواحدي : قال المفسرون : كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم بذلك لئلا ينكروا عليه وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم لتلزمهم الحجة في أنها غير معبودة ، وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه ، وأراد أن يتخلف عنهم فاعتل بالسقم : وذلك أنهم كلفوه أن يخرج معهم إلى عيدهم فنظر إلى النجوم يريهم أنه مستدل بها على حاله ، فلما نظر إليها قال إني سقيم أي سأسقم . وقال الحسن : إنهم لما كلفوه أن يخرج معهم تفكر فيما يعمل ، فالمعنى على هذا أنه نظر فيما نجم له من الرأي : أي فيما طلع له منه ، فعلم أن كل شئ يسقم ( فقال إني سقيم ) . قال الخليل والمبرد : يقال للرجل إذا فكر في الشئ يدبره : نظر في النجوم . وقيل كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم فيها ساعة تعتاده فيها الحمى . وقال الضحاك : معنى إني سقيم : سأسقم سقم الموت ، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت ، وهذا تورية وتعريض كما قال للملك لما سأله عن ساره هي أختي : يعنى أخوة الدين . وقال سعيد بن جبير : أشار لهم إلى مرض يسقم ويعدي وهو الطاعون وكانوا يهربون من ذلك ، ولهذا قال ( فتولوا عنه مدبرين ) أي تركوه وذهبوا مخافة العدوي ( فراغ إلى آلهتهم ) يقال راغ يروغ روغا وروغانا : إذا مال ، ومنه طريق رائغ : أي مائل . ومنه قول الشاعر : فيريك من طرف اللسان حلاوة * ويروغ عنك كما يروغ الثعلب
فتح القدير — صفحة 401 | الشوكاني