تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
والسموم يكون بالليل ، وقيل عكسه . وقال رؤبة بن العجاج : الحرور يكون بالليل خاصة ، والسموم يكون بالنهار خاصة . وقال الفراء : السموم لا يكون إلا بالنهار ، والحرور يكون فيهما . قال النحاس : وهذا أصح . وقال قطرب : الحرور الحر ، والظل البرد ، والمعنى : أنه لا يستوي الظل الذي لا حر فيه ولا أذى ، والحر الذي يؤذي . قيل أراد الثواب والعقاب ، وسمى الحر حرورا مبالغة في شدة الحر ، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى . وقال الكلبي : أراد بالظل الجنة ، وبالحرور النار . وقال عطاء : يعني ظل الليل وشمس النهار . قيل وإنما جمع الظلمات وأفرد النور لتعدد فنون الباطل واتحاد الحق . ثم ذكر سبحانه تمثيلا آخر للمؤمن والكافر فقال ( وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) فشبه المؤمنين بالأحياء ، وشبه الكافرين بالأموات ، وقيل أراد تمثيل العلماء والجهلة . وقال ابن قتيبة : الأحياء العقلاء ، والأموات الجهال . قال قتادة : هذه كلها أمثال : أي كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن ( إن الله يسمع من يشاء ) أن يسمعه من أوليائه الذين خلقهم لجنته ووفقهم لطاعته ( وما أنت بمسمع من في القبور ) يعني الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم : أي كما لا تسمع من مات كذلك لا تسمع من مات قلبه ، قرأ الجمهور بتنوين " مسمع " وقطعه عن الإضافة . وقرأ الحسن وعيسى الثقفي وعمرو بن ميمون بإضافته ( إن أنت إلا نذير ) أي ما أنت إلا رسول منذر ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ ، والهدى والضلالة بيد الله عز وجل ( إنا أرسلناك بالحق ) يجوز أن يكون بالحق في محل نصب على الحال من الفاعل : أي محقين ، أو من المفعول : أي محقا ، أو نعت لمصدر محذوف : أي إرسالا ملتبسا بالحق ، أو هو متعلق ببشيرا : أي بشيرا بالوعد الحق ونذيرا بالوعد الحق ، والأولى أن يكون نعتا للمصدر المحذوف ، ويكون معنى بشيرا : بشيرا لأهل الطاعة ونذيرا لأهل المعصية ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) أي ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها ، واقتصر على ذكر النذير دون البشير ، لأنه ألصق بالمقام ، ثم سلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعزاه ، فقال ( وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم ) أي كذب من قبلهم من الأمم الماضية أنبياءهم ( جاءتهم رسلهم بالبينات ) أي بالمعجزات الواضحة والدلالات الظاهرة ( وبالزبر ) أي الكتب المكتوبة كصحف إبراهيم ( وبالكتاب المنير ) كالتوراة والإنجيل ، قيل الكتاب المنير داخل تحت الزبر وتحت البينات والعطف لتغاير المفهومات ، وإن كانت متحدة في الصدق ، والأولى تخصيص البينات بالمعجزات ، والزبر بالكتب التي فيها مواعظ ، والكتاب بما فيه شرائع وأحكام ، ( ثم أخذت الذين كفروا ) وضع الظاهر موضع الضمير يفيد التصريح بذمهم بما في حيز الصلة ، ويشعر بعلة الأخذ ( فكيف كان نكير ) أي فكيف كان نكيري عليهم وعقوبتي لهم ، وقرأ ورش عن نافع وشيبة بإثبات الياء في " نكير " وصلا لا وقفا ، وقد مضى بيان معنى هذا قريبا . وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في حجة الوداع " ألا لا يجني جان إلا على نفسه ، لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده " . وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي رمثة قال : انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما رأيته قال لأبي : ابنك هذا ؟ قال : إي ورب الكعبة ، قال : أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ ) قال : يكون عليه وزر لا يجد أحدا يحمل عنه من وزره شيئا .