تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
الزهري بضمهما جمع جديدة وروي عنه أنه قرأ بفتحهما وردها أبو حاتم وصححها غيره وقال : الجدد الطريق الواضح البين ( وغرابيب سود ) الغربيب الشديد السواد الذي يشبه لونه لون الغراب . قال الجوهري : تقول هذا أسود غربيب : أي شديد السواد ، وإذا قلت غرابيب سود جعلت السود بدلا من غرابيب . قال الفراء : في الكلام تقديم وتأخير تقديره وسود غرابيب ، لأنه يقال أسود غربيب ، وقل ما يقال غربيب أسود ، وقوله ( مختلف ألوانها ) صفة لجدد ، وقوله ( وغرابيب ) معطوف على جدد على معنى : ومن الجبال جدد بيض وحمر ، ومن الجبال غرابيب على لون واحد ، وهو السواد ، أو على حمر على معنى ، ومن الجبال جدد بيض وحمر وسود ، وقيل معطوف على بيض ، ولا بد من تقدير مضاف محذوف قبل جدد : أي ومن الجبال ذو جدد ، لأن الجدد إنما هي في ألوان بعضها ( ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه ) قوله مختلف صفة لموصوف محذوف : أي ومنهم صنف ، أو نوع أو بعض مختلف ألوانه بالحمرة والسواد والبياض والخضرة والصفرة . قال الفراء : أي خلق مختلف ألوانه كاختلاف الثمرات والجبال ، وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان في هذه الأشياء ، لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله وبديع صنعه ، ومعنى ( كذلك ) أي مختلفا مثل ذلكك الاختلاف ، وهو صفة لمصدر محذوف ، والتقدير مختلف ألوانه اختلافا كائنا كذلك : أي كاختلاف الجبال والثمار . وقرأ الزهري " والدواب " بتخفيف الباء . وقرأ ابن السميفع " ألوانها " . وقيل إن قوله " كذلك " متعلق بما بعده : أي مثل ذلك المطر والاعتبار في مخلوقات الله واختلاف ألوانها يخشى الله من عباده العلماء ، وهذا اختاره ابن عطيه ، وهو مردود بأن ما بعد إنما لا يعمل فيما قبلها . والراجح الوجه الأول ، والوقف على كذلك تام . ثم استؤنف الكلام وأخبر سبحانه بقوله ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) أو هو من تتمة قوله - إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب - على معنى إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به ، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة ، وعلى كل تقدير فهو سبحانه قد عين في هذه الآية أهل خشيته ، وهم العلماء به وتعظيم قدرته . قال مجاهد : إنما العالم من خشي الله عز وجل . وقال مسروق : كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا ، فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له . قال الربيع بن أنس : من لم يخش الله فليس بعالم . وقال الشعبي : العالم من خاف الله ، ووجه تقديم المفعول أن المقام مقام حصر الفاعلية ولو أخر انعكس الأمر . وقرأ عمر بن عبد العزيز برفع الاسم الشريف ونصب العلماء ، ورويت هذه القراءة عن أبي حنيفة قال في الكشاف : الخشية في هذه القراءة استعارة ، والمعنى : أنه يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس ، وجملة ( إن الله عزيز غفور ) تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب على معصيته غافر لمن تاب من عباده ( إن الذين يتلون كتاب الله ) أي يستمرون على تلاوته ويداومونها . والكتاب هو القرآن الكريم ، ولا وجه لما قيل إن المراد به جنس كتب الله ( وأقاموا الصلاة ) أي فعلوها في أوقاتها مع كمال أركانها وأذكارها ( وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) فيه حث على الإنفاق كيف ما تهيأ ، فإن تهيأ سرا فهو أفضل وإلا فعلانية ، ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء ، ويمكن أن يراد بالسر صدقة النفل ، وبالعلانية صدقة الفرض ، وجملة ( يرجون تجارة لن تبور ) في محل رفع على خبرية إن كما قال ثعلب وغيره ، والمراد بالتجارة ثواب الطاعة ومعنى ( لن تبور ) لن تكسد ولن تهلك ، وهي صفة للتجارة والإخبار برجائهم لثواب ما عملوا بمنزلة الوعد بحصول مرجوهم ، واللام في ( ليوفيهم أجورهم ) متعلق بلن تبور ، على معنى : أنها لن تكسد لأجل أن يوفيهم أجور أعمالهم الصالحة ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه - فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله - وقيل إن اللام متعلقة بمحذوف دل عليه السياق : أي فعلوا ذلك ليوفيهم ، ومعنى ( ويزيدهم من