تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
الماء المالح خاصة ، ولولا ذلك لقال : فيهما ( مواخر ) يقال مخرت السفينة تمخر : إذا شقت الماء . فالمعنى : وترى السفن في البحرين شواق للماء بعضها مقبلة ، وبعضها مدبرة بريح واحدة ، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة النحل ، واللام في ( لتبتغوا من فضله ) متعلقة بما يدل عليه الكلام السابق : أي فعل ذلك لتبتغوا أو بمواخر . قال مجاهد : ابتغاء الفضل هو التجارة في البحر إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة كما تقدم في البقرة ( ولعلكم تشكرون ) الله على ما أنعم عليكم به من ذلك . قال أكثر المفسرين : إن المراد من الآية ضرب المثل في حق المؤمن والكافر ، والكفر والإيمان ، فكما لا يستوي البحران كذلك لا يستوي المؤمن والكافر ، ولا الكفر والإيمان ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) أي يضيف بعض أجزائهما إلى بعض ، فيزيد في أحدهما بالنقص في الآخر ، وقد تقدم تفسيره في آل عمران ، وفي مواضع من الكتاب العزيز ( وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ) قدره الله لجريانهما ، وهو يوم القيامة . وقيل هو المدة التي يقطعان في مثلها الفلك ، وهو سنة للشمس ، وشهر للقمر . وقيل المراد به جري الشمس في اليوم ، والقمر في الليلة . وقد تقدم تفسير هذا مستوفى في سورة لقمان ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى الفاعل لهذه الأفعال وهو الله سبحانه ، واسم الإشارة مبتدأ وخبره ( الله ربكم له الملك ) أي هذا الذي من صنعته ما تقدم : هو الخالق المقدر والقادر المقتدر المالك للعالم ، والمتصرف فيه ، ويجوز أن يكون قوله : له الملك جملة مستقلة في مقابلة قوله ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ) أي لا يقدرون عليه ولا على خلقه ، والقطمير : القشرة الرقيقة التي تكون بين التمرة والنواة وتصير على النواة كاللفافة لها . وقال المبرد : هو شق النواة . وقال قتادة : هو القمع الذي على رأس النواة . قال الجوهري : ويقال هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة . ثم بين سبحانه حال هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله بأنهم لا ينفعون ولا يضرون فقال ( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ) أي إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم ، لكونها جمادات لا تدرك شيئا من المدركات ( ولو سمعوا ) على طريقة الفرض ، والتقدير ( ما استجابوا لكم ) لعجزهم عن ذلك . قال قتادة : المعنى ولو سمعوا لم ينفعوكم . وقيل المعنى : لو جعلنا لهم سماعا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم ولم يستجيبوا لكم إلى ما دعوتموهم إليه من الكفر ( ويوم القيامة يكفرون بشرككم ) أي يتبرؤون من عبادتكم لهم ، ويقولون - ما كنتم إيانا تعبدون - ويجوز أن يرجع ( والذين تدعون من دونه ) وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار ، وهم الملائكة والجن والشياطين . والمعنى : أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا ، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم ( ولا ينبئك مثل خبير ) أي لا يخبرك مثل من هو خبير بالأشياء عالم بها ، وهو الله سبحانه فإنه لا أحد أخبر بخلقه وأقوالهم وأفعالهم منه سبحانه ، وهو الخبير بكنه الأمور وحقائقها . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه ، فلا يبقى خلق لله في السماوات والأرض إلا من شاء الله إلا مات ، ثم يرسل الله من تحت العرش منيا كمني الرجال ، فتنبت أجسامهم ولحومهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى ، ثم قرأ عبد الله ( الله الذي أرسل الرياح ) الآية . وأخرج أبو داود والطيالسي وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي رزين العقيلي قال " قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى ؟ قال : أما مررت بأرض مجدبة ثم مررت بها مخصبة تهتز خضراء ؟ قلت بلى ، قال : كذلك يحيي الله الموتى ، وكذلك النشور " . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال : إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله ، إن العبد المسلم إذا قال : سبحان الله
فتح القدير — صفحة 343 | الشوكاني