تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
فضله ) أنه يتفضل عليهم بزيادة على أجورهم التي هي جزاء أعمالهم ، وجملة ( إنه غفور شكور ) تعليل لما ذكر من التوفية والزيادة : أي غفور لذنوبهم شكور لطاعتهم ، وقيل إن هذه الجملة هي خبر إن ، وتكون جملة يرجون في محل نصب على الحال ، والأول أولى ( والذي أوحينا إليك من الكتاب ) يعني القرآن ، وقيل اللوح المحفوظ على أن من تبعيضية أو ابتدائية ، وجملة ( هو الحق ) خبر الموصول ( ومصدقا لما بين يديه ) منتصب على الحال : أي موافقا لما تقدمه من الكتب ( إن الله بعباده لخبير بصير ) أي محيط بجميع أمورهم ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) المفعول الأول لأورثنا الموصول ، والمفعول الثاني الكتاب ، وإنما قدم المفعول الثاني لقصد التشريف والتعظيم للكتاب ، والمعنى : ثم أورثنا الذين اصطفيناهم من عبادنا الكتاب ، وهو القرآن : أي قضينا وقدرنا بأن نورث العلماء من أمتك يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك ، ومعنى اصطفائهم اختيارهم واستخلاصهم ، ولا شك أن علماء هذه الأمة من الصحابة فمن بعدهم قد شرفهم الله على سائر العباد وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس ، وأكرمهم بكونهم أمة خير الأنبياء وسيد ولد آدم . قال مقاتل : يعني قرآن محمد جعلناه ينتهي إلى الذين اصطفينا من عبادنا . وقيل إن المعنى : أورثناه من الأمم السالفة : أي أخرناه عنهم وأعطيناه الذين اصطفينا ، والأول أولى . ثم قسم سبحانه هؤلاء الذي أورثهم كتابه واصطفاهم من عباده إلى ثلاثة أقسام فقال ( فمنهم ظالم لنفسه ) قد استشكل كثير من أهل العلم معنى هذه الآية ، لأنه سبحانه جعل هذا القسم الظالم لنفسه من ذلك المقسم ، وهو من اصطفاهم من العباد ، فكيف يكون من اصطفاه الله ظالما لنفسه ؟ فقيل إن التقسيم هو راجع إلى العباد : أي فمن عبادنا ظالم لنفسه ، وهو الكافر ، ويكون ضمير يدخلونها عائدا إلى المقتصد والسابق . وقيل المراد بالظالم لنفسه هو المقصر في العمل به ، وهو المرجأ لأمر الله ، وليس من ضرورة ورثة الكتاب مراعاته حق رعايته ، لقوله - فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب - وهذا فيه نظر ، لأن ظلم النفس لا يناسب الاصطفاء . وقيل الظالم لنفسه : هو الذي عمل الصغائر ، وقد روي هذا القول عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعائشة ، وهذا هو الراجح ، لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور من ذهب إلى آخر ما سيأتي . ووجه كونه ظالما لنفسه أنه نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له ، فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعات لكان لنفسه فيها من الثواب حظا عظيما ، وقيل الظالم لنفسه هو صاحب الكبائر . وقد اختلف السلف في تفسير السابق والمقتصد ، فقال عكرمة وقتادة والضحاك : إن المقتصد المؤمن العاصي ، والسابق التقي على الإطلاق ، وبه قال الفراء ، وقال مجاهد في تفسير الآية : فمنهم ظالم لنفسه أصحاب المشأمة ( ومنهم مقتصد ) أصحاب الميمنة ( ومنهم سابق بالخيرات ) السابقون من الناس كلهم . وقال المبرد : إن المقتصد هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها . وقال الحسن : الظالم الذي ترجح سيآته على حسناته ، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئاته ، والسابق من رجحت حسناته على سيآته . وقال مقاتل : الظالم لنفسه أصحاب الكبائر من أهل التوحيد ، والمقتصد الذي لم يصب كبيرة ، والسابق الذي سبق إلى الأعمال الصالحة . وحكى النحاس أن الظالم صاحب الكبائر ، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيآته ، فتكون جنات عدن يدخلونها الذين سبقوا بالخيرات لا غير ، قال : وهذا قول جماعة من أهل النظر ، لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى . وقال الضحاك فيهم ظالم لنفسه : أي من ذريتهم ظالم لنفسه . وقال سهل بن عبد الله : السابق العالم ، والمقتصد المتعلم والظالم لنفسه الجاهل . وقال ذو النون المصري : الظالم لنفسه الذاكر لله بلسانه فقط ، والمقتصد الذاكر بقلبه ،