تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
جعلكم أزواجا ) أي زوج بعضكم ببعض ، فالذكر زوج الأنثى ، أو جعلكم أصنافا ذكرانا وإناثا ( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) أي لا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به ، فلا يخرج شئ عن عمله وتدبيره ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ) أي ما يطول عمر أحد ، ولا ينقص من عمره إلا في كتاب : أي في اللوح المحفوظ قال الفراء : يريد آخر غير الأول ، فكنى عنه بالضمير كأنه الأول لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول كأنه قال : ولا ينقص من عمر معمر ، فالكناية في عمره ترجع إلى آخر غير الأول ، ومثله قولك عندي درهم ونصفه : أي نصف آخر . قيل إنما سمي معمرا باعتبار مصيره إليه . والمعنى : وما يمد في عمر أحد ولا ينقص من عمر أحد ، لكن لا على معنى لا ينقص من عمره بعد كونه زائدا ، بل على معنى أنه لا يجعل من الابتداء ناقصا إلا وهو في كتاب . قال سعيد بن جبير : وما يعمر من معمر إلا كتب عمره : كم هو سنة ، كم هو شهرا ، كم هو يوما ، كم هو ساعة ، ثم يكتب في كتاب آخر نقص من عمره ساعة ، نقص من عمره يوم ، نقص من عمره شهر ، نقص من عمره سنة حتى يستوفى أجله ، فما مضى من أجله فهو النقصان ، وما يستقبل ، فهو الذي يعمره . وقال قتادة : المعمر من بلغ ستين سنة ، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة . وقيل المعنى : إن الله كتب عمر الإنسان كذا إن أطاع ، ودونه إن عصى فأيهما بلغ فهو في كتاب ، والضمير على هذا يرجع إلى معمر . وقيل المعنى : وما يعمر من معمر إلى الهرم ، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب : أي بقضاء الله قاله الضحاك ، واختاره النحاس . قال : وهو أشبهها بظاهر التنزيل ، والأولى أن يقال ظاهر النظم القرآني أن تطويل العمر وتقصيره : هما بقضاء الله وقدره لأسباب تقتضي التطويل ، وأسباب تقتضي التقصير . فمن أسباب التطويل : ما ورد في صلة الرحم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحو ذلك . ومن أسباب التقصير الاستكثار من معاصي الله عز وجل ، فإذا كان العمر المضروب للرجل مثلا سبعين سنة ، فقد يزيد الله له عليها إذا فعل أسباب الزيادة ، وقد ينقصه منها إذا فعل أسباب النقصان ، والكل في كتاب مبين فلا تخالف بين هذه الآية ، وبين قوله سبحانه - فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون - ويؤيد هذا قوله سبحانه - يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب - وقد قدمنا في تفسيرها ما يزيد ما ذكرنا هنا وضوحا وبيانا . قرأ الجمهور " ينقص " مبنيا للمفعول . وقرأ يعقوب وسلام وروي عن أبي عمرو " ينقص " مبنيا للفاعل . وقرأ الجمهور " من عمره " بضم الميم . وقرأ الحسن والأعرج والزهري بسكونها ، والإشارة بقوله ( إن ذلك ) إلى ما سبق من الخلق وما بعده ( على الله يسير ) لا يصعب عليه منه شئ ، ولا يعزب عنه كثير ولا قليل ، ولا كبير ولا صغير . ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من بديع صنعه ، وعجيب قدرته فقال ( وما يستوي البحران هذا عذاب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ) فالمراد بالبحران هو العذب والمالح ، فالعذب الفرات الحلو ، والأجاج المر ، والمراد ( بسائغ شرابه ) الذي يسهل انحداره في الحلق لعذوبته . وقرأ عيسى بن عمر " سيغ " بتشديد الياء ، وروي تسكينها عنه . وقرأ طلحة وأبو نهيك " ملح " بفتح الميم ( ومن كل ) منهما ( تأكلون لحما طريا ) وهو ما يصاد منهما من حيواناتهما التي تؤكل ( وتستخرجون حلية تلبسونها ) الظاهر أن المعنى : وتستخرجون فيها حلية تلبسونها . وقال المبرد : إنما تستخرج الحلية من المالح ، وروي عن الزجاج أنه قال : إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا ، لا من كل واحد منهما على انفراده ، ورجح النحاس قول المبرد . ومعنى ( تلبسونها ) تلبسون كل شئ منها بحسبه ، كالخاتم في الأصبع ، والسوار في الذراع ، والقلادة في العنق ، والخلخال في الرجل ، ومما يلبس حلية السلاح الذي يحمل كالسيف والدرع ونحوهما ( وترى الفلك فيه ) أي في كل واحد من البحرين . وقال النحاس : الضمير يعود إلى