جعلكم أزواجا ) أي زوج بعضكم ببعض ، فالذكر زوج الأنثى ، أو جعلكم أصنافا ذكرانا وإناثا ( وما تحمل من
أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) أي لا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به ، فلا يخرج شئ عن عمله وتدبيره ( وما
يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ) أي ما يطول عمر أحد ، ولا ينقص من عمره إلا في كتاب : أي
في اللوح المحفوظ قال الفراء : يريد آخر غير الأول ، فكنى عنه بالضمير كأنه الأول لأن لفظ الثاني لو ظهر
كان كالأول كأنه قال : ولا ينقص من عمر معمر ، فالكناية في عمره ترجع إلى آخر غير الأول ، ومثله قولك
عندي درهم ونصفه : أي نصف آخر . قيل إنما سمي معمرا باعتبار مصيره إليه . والمعنى : وما يمد في عمر أحد ولا
ينقص من عمر أحد ، لكن لا على معنى لا ينقص من عمره بعد كونه زائدا ، بل على معنى أنه لا يجعل من الابتداء
ناقصا إلا وهو في كتاب . قال سعيد بن جبير : وما يعمر من معمر إلا كتب عمره : كم هو سنة ، كم هو شهرا ،
كم هو يوما ، كم هو ساعة ، ثم يكتب في كتاب آخر نقص من عمره ساعة ، نقص من عمره يوم ، نقص من
عمره شهر ، نقص من عمره سنة حتى يستوفى أجله ، فما مضى من أجله فهو النقصان ، وما يستقبل ، فهو الذي
يعمره . وقال قتادة : المعمر من بلغ ستين سنة ، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة . وقيل المعنى : إن
الله كتب عمر الإنسان كذا إن أطاع ، ودونه إن عصى فأيهما بلغ فهو في كتاب ، والضمير على هذا يرجع إلى
معمر . وقيل المعنى : وما يعمر من معمر إلى الهرم ، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب : أي بقضاء الله
قاله الضحاك ، واختاره النحاس . قال : وهو أشبهها بظاهر التنزيل ، والأولى أن يقال ظاهر النظم القرآني أن
تطويل العمر وتقصيره : هما بقضاء الله وقدره لأسباب تقتضي التطويل ، وأسباب تقتضي التقصير .
فمن أسباب التطويل : ما ورد في صلة الرحم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحو ذلك . ومن أسباب
التقصير الاستكثار من معاصي الله عز وجل ، فإذا كان العمر المضروب للرجل مثلا سبعين سنة ، فقد يزيد الله
له عليها إذا فعل أسباب الزيادة ، وقد ينقصه منها إذا فعل أسباب النقصان ، والكل في كتاب مبين فلا تخالف بين
هذه الآية ، وبين قوله سبحانه - فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون - ويؤيد هذا قوله سبحانه
- يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب - وقد قدمنا في تفسيرها ما يزيد ما ذكرنا هنا وضوحا وبيانا . قرأ
الجمهور " ينقص " مبنيا للمفعول . وقرأ يعقوب وسلام وروي عن أبي عمرو " ينقص " مبنيا للفاعل . وقرأ الجمهور
" من عمره " بضم الميم . وقرأ الحسن والأعرج والزهري بسكونها ، والإشارة بقوله ( إن ذلك ) إلى ما سبق من الخلق
وما بعده ( على الله يسير ) لا يصعب عليه منه شئ ، ولا يعزب عنه كثير ولا قليل ، ولا كبير ولا صغير . ثم
ذكر سبحانه نوعا آخر من بديع صنعه ، وعجيب قدرته فقال ( وما يستوي البحران هذا عذاب فرات سائغ شرابه
وهذا ملح أجاج ) فالمراد بالبحران هو العذب والمالح ، فالعذب الفرات الحلو ، والأجاج المر ، والمراد ( بسائغ شرابه )
الذي يسهل انحداره في الحلق لعذوبته . وقرأ عيسى بن عمر " سيغ " بتشديد الياء ، وروي تسكينها عنه . وقرأ طلحة
وأبو نهيك " ملح " بفتح الميم ( ومن كل ) منهما ( تأكلون لحما طريا ) وهو ما يصاد منهما من حيواناتهما التي
تؤكل ( وتستخرجون حلية تلبسونها ) الظاهر أن المعنى : وتستخرجون فيها حلية تلبسونها . وقال المبرد : إنما
تستخرج الحلية من المالح ، وروي عن الزجاج أنه قال : إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا ، لا من كل
واحد منهما على انفراده ، ورجح النحاس قول المبرد . ومعنى ( تلبسونها ) تلبسون كل شئ منها بحسبه ، كالخاتم
في الأصبع ، والسوار في الذراع ، والقلادة في العنق ، والخلخال في الرجل ، ومما يلبس حلية السلاح الذي يحمل
كالسيف والدرع ونحوهما ( وترى الفلك فيه ) أي في كل واحد من البحرين . وقال النحاس : الضمير يعود إلى
فتح القدير — صفحة 342
مساهمون: الشوكاني
ص٣٤٢