على بابها وليست للشك ، لكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين وهو عالم بالمعنى .
وقال أبو عبيدة والفراء : هي بمعنى الواو ، وتقديره : وإنا على هدى وإياكم لفي ضلال مبين ، ومنه قول جرير :
أثعلبة الفوارس أو رباحا * عدلت بهم طهية والربابا
أي ثعلبة ورباحا ، وكذا قول الآخر :
فلما اشتد بأس الحرب فينا * تأملنا رباحا أو رزاما
أي ورزاما ، وقوله : أو إياكم معطوف على اسم إن وخبرها هو المذكور ، وحذف خبر الثاني للدلالة عليه : أي
أي إنا لعلى هدى أو في ضلال مبين ، وإنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ، ويجوز العكس : وهو كون المذكور
خبر الثاني ، وخبر الأول محذوفا كما تقدم في قوله - والله ورسوله أحق أن يرضوه - ثم أردف سبحانه هذا
الكلام المنصف بكلام أبلغ منه في الإنصاف ، وأبعد من الجدل والمشاغبة فقال ( قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل
عما تعملون ) أي إنما أدعوكم إلى ما فيه خير لكم ونفع ، ولا ينالني من كفركم وترككم لإجابتي ضرر ، وهذا
كقوله سبحانه - لكم دينكم ولي دين - وفي إسناد الجرم إلى المسلمين ونسبة مطلق العمل إلى المخاطبين ، مع كون
أعمال المسلمين من البر الخالص والطاعة المحضة ، وأعمال الكفار من المعصية البينة والإثم الواضح من الإنصاف
ما لا يقادر قدره . والمقصود : المهادنة والمتاركة ، وقد نسخت هذه الآية وأمثالها بآية السيف . ثم أمره سبحانه بأن
يهددهم بعذاب الآخرة ، لكن على وجه لا تصريح فيه فقال ( قل يجمع بيننا ربنا ) أي يوم القيامة ( ثم يفتح بيننا
بالحق ) أي يحكم ويقضي بيننا بالحق ، فيثيب المطيع ، ويعاقب العاصي ( وهو الفتاح ) أي الحاكم بالحق القاضي
بالصواب ( العليم ) بما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح . وهذه أيضا منسوخة بآية السيف . ثم أمره سبحانه أن
يورد عليهم حجة أخرى يظهر بها ما هم عليه من الخطأ فقال ( قل أروني الذين ألحقتم به شركاء ) أي أروني الذين
ألحقتموهم بالله شركاء له ، وهذه الرؤية هي القلبية ، فيكون شركاء هو المفعول الثالث ، لأن الفعل تعدى بالهمزة
إلى ثلاثة . الأول الياء في أروني ، والثاني الموصول ، والثالث شركاء ، وعائد الموصول محذوف : أي ألحقتموهم ،
ويجوز أن تكون هي البصرية ، وتعدى الفعل بالهمزة إلى اثنين : الأول الياء ، والثاني الموصول ، ويكون شركاء
منتصبا على الحال . ثم رد عليهم ما يدعونه من الشركاء وأبطل ذلك فقال ( كلا بل هو الله العزيز الحكيم ) أي
ارتدعوا عن دعوى المشاركة ، بل المنفرد بإلاهية ، هو الله العزيز بالقهر والغلبة ، الحكيم بالحكمة الباهرة .
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فزع عن قلوبهم ) قال : جلى . وأخرج ابن
أبي حاتم وابن مردويه عنه قال : لما أوحى الجبار إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه
بالوحي ، فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي ، فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله ، فقالوا
الحق ، وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا . قال ابن عباس : وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا ، فلما
سمعوا خروا سجدا ، فلما رفعوا رؤوسهم ( قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ) . وأخرج عبد بن
حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : ينزل الأمر إلى السماء الدنيا له وقعة كوقعة السلسلة على الصخرة ،
فيفزع له جميع أهل السماوات فيقولون : ماذا قال ربكم ؟ ثم يرجعون إلى أنفسهم فيقولون : الحق وهو العلي
الكبير . وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله : كأنه سلسلة على صفوان
فتح القدير — صفحة 326
مساهمون: الشوكاني
ص٣٢٦