تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
وقوعها . قرأ الجمهور " أذن " بفتح الهمزة : أي أذن له الله سبحانه : لأن اسمه سبحانه مذكور قبل هذا ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضمها على البناء للمفعول ، والآذن هو الله سبحانه ، ومثل هذه الآية قوله تعالى - من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه - وقوله - ولا يشفعون إلا لمن ارتضى - ثم أخبر سبحانه عن خوف هؤلاء الشفعاء والمشفوع لهم فقال ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) قرأ الجمهور " فزع " مبنيا للمفعول ، والفاعل هو الله ، والقائم مقام الفاعل هو الجار والمجرور ، وقرأ ابن عامر " فزع " مبنيا للفاعل ، وفاعله ضمير يرجع إلى الله سبحانه ، وكلا القراءتين بتشديد الزاي ، وفعل معناه السلب ، فالتفزيع إزالة الفزع . وقرأ الحسن مثل قراءة الجمهور إلا أنه خفف الزاي . قال قطرب : معنى فزع عن قلوبهم أخرج ما فيها من الفزع ، وهو الخوف . وقال مجاهد : كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة . والمعنى : أن الشفاعة لا تكون من أحد من هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام ، إلا أن الله سبحانه يأذن للملائكة والأنبياء ونحوهم في الشفاعة لمن يستحقها ، وهم على غاية النزع من الله كما قال تعالى - وهم من خشيته مشفقون - فإذا أذن لهم في الشفاعة فزعوا لما يقترن بتلك الحالة من الأمر الهائل والخوف الشديد من أن يحدث شئ من أقدار الله ، فإذا سرى عليهم ( قالوا ) للملائكة فوقهم ، وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن ( ماذا قال ربكم ) أي ماذا أمر به ، فيقولون لهم قال : القول ( الحق ) وهو قبول شفاعتكم للمستحقين لها دون غيرهم ( وهو العلي الكبير ) فله أن يحكم في عباده بما يشاء ويفعل ما يريد ، وقيل هذا الفزع يكون للملائكة في كل أمر يأمر به الرب . والمعنى : لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم فزعون اليوم مطيعون لله ، دون الجمادات والشياطين ، وقيل إن الذين يقولون : ماذا قال ربكم هم المشفوع لهم ، والذين أجابوهم : هم الشفعاء من الملائكة والأنبياء . وقال الحسن وابن زيد ومجاهد : معنى الآية : حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين في الآخرة . قالت لهم الملائكة : ماذا قال ربكم في الدنيا ؟ قالوا الحق ، فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار . وقرأ ابن عمر وقتادة : فرغ بالراء المهملة والغين المعجمة من الفراغ . والمعنى : فرغ الله قلوبهم : أي كشف عنها الخوف . وقرأ ابن مسعود " افرنقع " بعد الفاء راء مهملة ثم نون ثم قاف ثم عين مهملة من الافرنقاع وهو التفرق . ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يبكت المشركين ويوبخهم فقال ( قل من يرزقكم من السماوات والأرض ) أي من ينعم عليكم بهذه الأرزاق التي تتمتعون بها ، فإن آلهتكم لا يملكون مثقال ذرة ، والرزق من السماء هو المطر وما ينتفع به منها من الشمس والقمر والنجوم ، والرزق من الأرض هو النبات والمعادن ونحو ذلك ولما كان الكفار لا يقدرون على جواب هذا الاستفهام ، ولم تقبل عقولهم نسبة هذا الرزق إلى آلهتهم ، وربما يتوقفون في نسبته إلى الله مخافة أن تقوم عليهم الحجة ، فأمر الله رسوله بأن يجيب عن ذلك فقال ( قل الله ) أي هو الذي يرزقكم من السماوات والأرض ، ثم أمره سبحانه أن يخبرهم بأنهم على ضلالة ، لكن على وجه الإنصاف في الحجة بعد ما سبق تقرير من هو على الهدى ومن هو على الضلالة ، فقال ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) والمعنى : أن أحد الفريقين من الذين يوحدون الله الخالق الرازق ويخصونه بالعبادة ، والذين يعبدون الجمادات التي لا تقدر على خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلالة ، ومعلوم لكل عاقل أن من عبد الذي يخلق ويرزق وينفع ويضر هو الذي على الهدى ، ومن عبد الذي لا يقدر على خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر هو الذي على الضلالة ، فقد تضمن هذا الكلام بيان فريق الهدى ، وهم المسلمون ، وفريق الضلالة وهم المشركون على وجه أبلغ من التصريح . قال المبرد : ومعنى هذا الكلام معنى قول المتبصر في الحجة لصاحبه : أحدنا كاذب ، وقد عرف أنه الصادق المصيب ، وصاحبه الكاذب المخطئ . قال : وأو عند البصريين