تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
وأنشد سيبويه : * قيام ليلى وتجلى همي * وقرأ قتادة ويحيى بن يعمر برفع " مكر " منونا ، ونصب الليل والنهار ، والتقدير : بل مكر كائن في الليل والنهار . وقرأ سعيد بن جبير وأبو رزين بفتح الكاف وتشديد الراء مضافا بمعنى الكرور ، من كر يكر إذا جاء وذهب ، وارتفاع مكر على هذه القراءات على أنه مبتدأ وخبره محذوف : أي مكر الليل والنهار صدنا ، أو على أنه فاعل لفعل محذوف : أي صدنا مكر الليل والنهار ، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف كما تقدم عن الأخفش . وقرأ طلحة بن راشد كما قرأ سعيد بن جبير ، ولكنه نصب مكر على المصدرية : أي بل تكررن الإغواء مكرا دائما لا تفترون عنه ، وانتصاب ( إذ تأمروننا ) على أنه ظرف للمكر : أي بل مكركم بنا وقت أمركم لنا ( أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ) أي أشباها وأمثالا . قال المبرد يقال ند فلان فلان : أي مثله وأنشد : أتيما تجعلون إلي ندا * وما تيم بذي حسب نديد والضمير في قوله ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) راجع إلى الفريقين : أي أضمر الفريقان الندامة على ما فعلوا من الكفر وأخفوها عن غيرهم ، أو أخفاها كل منهم عن الآخر مخافة الشماتة . وقيل المراد بأسروا هنا أظهروا لأنه من الأضداد يكون ، تارة بمعنى الإخفاء ، وتارة بمعنى الإظهار ، ومنه قول امرئ القيس : تجاوزت أحراسا وأهوال معشر * علي حراص لو يسرون مقتلي وقيل معنى أسروا الندامة : تبينت الندامة في أسرة وجوههم ( وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا ) الأغلال جمع غل ، يقال في رقبته غل من حديد : أي جعلت الأغلال من الحديد في أعناق هؤلاء في النار ، والمراد بالذين كفروا : هم المذكورون سابقا ، والإظهار لمزيد الذم أو للكفار على العموم فيدخل هؤلاء فيهم دخولا أوليا ( هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) أي إلا جزاء ما كانوا يعملونه من الشرك بالله ، أو إلا بما كانوا يعملون على حذف الخافض . وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) قال : إلى الناس جميعا . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال : أرسل الله محمدا إلى العرب والعجم فأكرمهم على الله أطوعهم له . وأخرج هؤلاء عنه في قوله ( وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ) قال : هذا قول مشركي العرب كفروا بالقرآن وبالذي بين يديه من الكتب والأنبياء .
فتح القدير — صفحة 329 | الشوكاني