تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء ولخوف الطريق ، فإذا وجد الزاد والأمن لم يحمل نفسه المشقة ، بل ينزل أينما أراد . والحاصل أن الله سبحانه عدد عليهم النعم ، ثم ذكر ما نزل بهم من النقم ، ثم عاد لتعديد بقية ما أنعم به عليهم مما هو خارج عن بلدهم من اتصال القرى بينهم وبين ما يريدون السفر إليه ، ثم ذكر بعد ذلك تبديله بالمفاوز والبراري كما سيأتي وقوله ( سيروا فيها ) هو على تقدير القول : أي وقلنا لهم سيروا في تلك القرى المتصلة ، فهو أمر تمكين : أي ومكناهم من السير فيها متى شاءوا ( ليالي وأياما آمنين ) مما يخافونه ، وانتصاب ليالي وأياما على الظرفية ، وانتصاب آمنين على الحال . قال قتادة : كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظمأ ، كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضا ولو لقى الرجل قاتل أبيه لم يحركه . ثم ذكر سبحانه أنهم لم يشكروا النعمة ، بل طلبوا التعب والكد ( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ) وكان هذا القول منهم بطرا وطغيانا لما سئموا النعمة ولم يصبروا على العافية ، فتمنوا طول الأسفار والتباعد بين الديار ، وسألوا الله تعالى أن يجعل بينهم وبين الشام مكان تلك القرى المتواصلة الكثيرة الماء والشجر والأمن والمفاوز والقفاز والبراري المتباعدة الأقطار ، فأجابهم الله إلى ذلك وخرب تلك القرى المتواصلة وذهب بما فيها من الخير والماء والشجر ، فكانت دعوتهم هذه كدعوة بني إسرائيل حيث قالوا - ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها - الآية مكان المن والسلوى ، وكقول النضر بن الحارث - اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء - الآية . قرأ الجمهور " ربنا " بالنصب على أنه منادي مضاف ، وقرأوا أيضا " باعد " وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وهشام عن ابن عامر بعد بتشديد العين ، وقرأ ابن السميفع بضم العين فعلا ماضيا ، فيكون معنى هذه القراءة الشكوى من بعد الأسفار ، وقرأ أبو صالح ومحمد بن الحنفية وأبو العالية ونصر بن عاصم ويعقوب " ربنا " بالرفع " باعد " بفتح العين على أنه فعل ماضي على الابتداء والخبر . والمعنى : لقد باعد ربنا بين أسفارنا ، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس ، واختارها أبو حاتم ، قال لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب الذي كان بينهم وبين الشام بالقرى المتواصلة بطرا وأشرا وكفرا للنعمة . وقرأ يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر " ربنا " بالرفع " بعد " بفتح العين مشددة ، فيكون معنى هذه القراءة الشكوى بأن ربهم بعد بين أسفارهم مع كونها قريبة متصلة بالقرى والشجر والماء ، فيكون هذا من جملة بطرهم ، وقرأ أخو الحسن البصري كقراءة ابن السميفع السابقة مع رفع بين على أنه الفاعل كما قيل في قوله - لقد تقطع بينكم - وروى الفراء والزجاج قراءة مثل هذه القراءة لكن مع نصب بين على أنه ظرف ، والتقدير : بعد سيرنا بين أسفارنا . قال النحاس : وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداها أجود من الأخرى كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها ، ولكن أخبر عنهم أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم ، فلما فعل ذلك بهم شكوا وتضرروا ، ولهذا قال سبحانه ( وظلموا أنفسهم ) حيث كفروا بالله وبطروا نعمته وتعرضوا لنقمته ( فجعلناهم أحاديث ) يتحدث الناس بأخبارهم . والمعنى : جعلناهم ذوي أحاديث يتحدث بها من بعدهم تعجبا من فعلهم واعتبارا بحالهم وعاقبتهم ( ومزقناهم كل ممزق ) أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق ، وهذه الجملة مبنية لجعلهم أحاديث ، وذلك أن الله سبحانه لما أغرق مكانهم وأذهب جنتهم ، تفرقوا في البلاد فصارت العرب تضرب بهم الأمثال ، فتقول : تفرقوا أيدي سبا . قال الشعبي : فلحقت الأنصار بيثرب ، وغسان بالشام ، والأزد بعمان ، وخزاعة بتهامة ( إن في ذلك لآيات ) أي فيما ذكر من قصتهم وما فعل الله بهم لآيات بينات ، ودلالات واضحات ( لكل صبار شكور ) أي لكل من هو كثير الصبر والشكر ، وخص الصبار الشكور لأنهما المنتفعان بالمواعظ والآيات ( ولقد صدق عليهم إبليس