تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
المساكن التي كانت لهم هي التي يقال لها الآن مأرب ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال ، ومعنى قوله ( آية ) أي علامة دالة على كمال قدرة الله وبديع صنعه ، ثم بين هذه الآية فقال ( جنتان ) وارتفاعهما على البدل من آية قاله الفراء ، أو على أنهما خبر مبتدأ محذوف قاله الزجاج ، أو على أنهما مبتدأ وخبره " عن يمين وشمال " واختار هذا الوجه ابن عطية ، وفيه أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة من غير مسوغ وقرأ ابن أبي عبلة " جنتين " بالنصب على أنهما خبر ثان واسمها آية ، وهاتان الجنتان كانتا عن يمين واديهم وشماله قد أحاطتا لو به من جهتيه ، وكانت مساكنهم في الوادي ، والآية هي الجنتان ، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها المكتل ، فيمتلئ من أنواع الفواكه التي تتساقط من غير أن تمسها بيدها . وقال عبد الرحمن بن زيد : إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا حية ولا غير ذلك من الهوام ، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل ماتت عند رؤيتهم لبيوتهم . قال القشيري : ولم يرد جنتين اثنتين ، بل أراد من الجهتين يمنة ويسرة في كل جهة بساتين كثيرة ( كلوا من رزق ربكم ) أي قيل لهم ذلك ولم يكن ثم أمر ، ولكن المراد تمكينهم من تلك النعم ، وقيل إنها قالت لهم الملائكة ، والمراد بالرزق هو ثمار الجنتين ، وقيل إنهم خوطبوا بذلك على لسان نبيهم ( واشكروا له ) على ما رزقكم من هذه النعم واعملوا بطاعته واجتنبوا معاصيه ، وجملة ( بلدة طيبة ورب غفور ) مستأنفة لبيان موجب الشكر . والمعنى : هذه بلدة طيبة لكثرة أشجارها وطيب ثمارها . وقيل معنى كونها طيبة : أنها غير سبخة ، وقيل ليس فيها هوام . وقال مجاهد : هي صنعاء . ومعنى ( ورب غفور ) أن المنعم عليهم رب غفور لذنوبهم . قال مقاتل : المعنى وربكم إن شكرتم فيما رزقكم رب غفور للذنوب . وقيل إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام . وقرأ ورش بنصب بلدة ورب على المدح ، أو على تقدير اسكنوا بلدة واشكروا ربا . ثم ذكر سبحانه ما كان منهم بعد هذه النعمة التي أنعم بها عليهم فقال ( فاعرضوا ) عن الشكر وكفروا بالله وكذبوا أنبياءهم قال السدي : بعث الله إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم ، وكذا قال وهب . ثم لما وقع منهم الإعراض عن شكر النعمة أرسل الله عليهم نقمة سلب بها ما أنعم به عليهم فقال ( فأرسلنا عليهم سيل العرم ) وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من أودية اليمن ، فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء ، وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض ، وكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الباب الثاني ، ثم من الثالث فأخصبوا وكثرت أموالهم ، فلما كذبوا رسلهم بعث الله جرذا ، ففتقت ذلك الردم حتى انتقض فدخل الماء جنتهم فغرقها ودفن السيل بيوتهم ، فهذا هو سيل العرم ، وهو جمع عرمة : وهي السكر التي تحبس الماء ، وكذا قال قتادة وغيره . وقال السدي : العرم اسم للسد . والمعنى : أرسلنا عليهم سيل العرم . وقال عطاء : العرم اسم الوادي . وقال الزجاج : العرم اسم الجرذ الذي نقب السد عليهم ، وهو الذي يقال له الخلد : فنسب السيل إليه لكونه سبب جريانه . قال ابن الأعرابي : العرم من أسماء الفأر . وقال مجاهد وابن أبي نجيح : العرم ماء أحمر أرسله الله في السد فشقه وهدمه . وقيل إن العرم اسم المطر الشديد ، وقيل اسم للسيل الشديد ، والعرامة في الأصل : الشدة والشراسة والصعوبة : يقال عرم فلان : إذا تشدد وتصعب . وروي عن ابن الأعرابي أنه قال : العرم السيل الذي لا يطاق . وقال المبرد : العرم كل شئ حاجز بين شيئين ( وبدلناهم بجنتيهم جنتين ) أي أهلكنا جنتيهم