تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
في كلام العرب بل فيه مذهبان : أحدهما حكاه الكسائي ، والآخر عن علي بن سليمان ، فأما المذهب الذي حكاه الكسائي فهو ما قدمناه من رواية أبي عبيد عنه ، وأما المذهب الذي حكاه علي بن سليمان ، فقال : إنه من قررت به عينا أقر . والمعنى : واقررن به عينا في بيوتكن . قال النحاس : وهو وجه حسن . وأقول : ليس بحسن ولا هو معنى الآية ، فإن المراد بها أمرهن بالسكون والاستقرار في بيوتهن ، وليس من قرة العين . وقرأ ابن أبي عبلة " واقررن " بألف وصل ورائين ، الأولى مكسورة على الأصل ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) التبرج : أن تبدي المرأة زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل . وقد تقدم معنى التبرج في سورة النور . قال المبرد : هو مأخوذ من السعة ، يقال في أسنانه برج : إذا كانت متفرقة . وقيل التبرج هو التبختر في المشي ، وهذا ضعيف جدا . وقد اختلف في المراد بالجاهلية الأولى ، فقيل ما بين آدم ونوح ، وقيل ما بين نوح وإدريس ، وقيل ما بين نوح وإبراهيم ، وقيل ما بين موسى وعيسى ، وقيل ما بين عيسى ومحمد . وقال المبرد : الجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء . قال : وكان نساء الجاهلية تظهر ما يقبح إظهاره ، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخليلها ، فينفرد خليلها بما فوق الإزار إلى أعلى ، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل ، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل . قال ابن عطية : والذي يظهر لي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها ، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة ، لأنهم كانوا لا غيرة عندهم ، وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى كذا قال ، وهو قول حسن . ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبيه بأهل الجاهلية بقول أو فعل ، فيكون المعنى : ولا تبرجن أيها المسلمات بعد إسلامكن تبرجا مثل تبرج أهل الجاهلية التي كنتن عليها ، وكان عليها من قبلكن : أي لا تحدثن بأفعالكن فلا وأقوالكن جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من قبل ( وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ) خص الصلاة والزكاة لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية . ثم عمم فأمرهن بالطاعة لله ولرسوله في كل ما هو شرع ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) أي إنما أوصاكن الله بما أوصاكن من التقوى ، وأن لا تخضعن بالقول ، ومن قول المعروف ، والسكون في البيوت وعدم التبرج ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، والطاعة ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ، والمراد بالرجس الإثم والذنب المدنسان للأعراض الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به ، وفعل ما نهى عنه ، فيدخل تحت ذلك كل ما ليس فيه لله رضا ، وانتصاب أهل البيت على المدح كما قال الزجاج ، قال : وإن شئت على البدل . قال : ويجوز الرفع والخفض . قال النحاس : إن خفض فعلى أنه بدل من الكاف والميم ، واعترضه المبرد بأنه لا يجوز البدل من المخاطب ، ويجوز أن يكون نصبه على النداء ( ويطهركم تطهيرا ) أي يطهركم من الأرجاس والأردان تطهيرا كاملا . وفي استعارة الرجس للمعصية والترشيح لها بالتطهير تنفير عنها بليغ ، وزجر لفاعلها شديد . وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية ، فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير : إن أهل البيت المذكورين في الآية هن زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة . قالوا : والمراد بالبيت بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومساكن زوجاته لقوله " واذكرن ما يتلى في بيوتكن " . وأيضا السياق في الزوجات من قوله ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) إلي قوله ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ) . وقال أبو سعيد الخدري ومجاهد وقتادة ، وروي عن الكلبي أن أهل البيت