وبالجزم في الفعلين قرأ الجمهور ، وقرأ حميد الخراز بالرفع في الفعلين على الاستئناف ، والمراد بالسراح الجميل :
هو الواقع من غير ضرار على مقتضى السنة . وقيل إن حزم الفعلين على أنهما جواب الشرط ، وعلى هذا يكون
قوله " فتعالين " اعتراضا بين الشرط والجزاء ( وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة ) أي الجنة ونعيمها
( فأن الله أعد للمحسنات منكن ) أي اللاتي عملن عملا صالحا ( أجرا عظيما ) لا يمكن وصفه ، ولا يقادر قدره
وذلك بسبب إحسانهن ، وبمقابلة صالح عملهن .
وقد اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله عليه وآله وسلم أزواجه على قولين : القول الأول أنه
خيرهن بإذن الله في البقاء على الزوجية أو الطلاق فاخترن البقاء ، وبهذا قالت عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي
والزهري وربيعة . والقول الثاني أنه إنما خيرهن بين الدنيا فيفارقهن ، وبين الآخرة فيمسكهن ولم يخيرهن
في الطلاق ، وبهذا قال علي والحسن وقتادة ، والراجح الأول . واختلفوا أيضا في المخيرة إذا اختارت زوجها هل
يحسب مجرد ذلك التخيير على الزوج طلقة أم لا ؟ فذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا يكون التخيير مع
اختيار المرأة لزوجها طلاقا لا واحدة ولا أكثر . وقال علي وزيد بن ثابت : إن اختارت زوجها فواحدة بائنة ،
وبه قال الحسن والليث : وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك . والراجح الأول لحديث عائشة الثابت في الصحيحين
قالت " خيرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاخترناه فلم يعد طلاقا " ولا وجه لجعل مجرد التخيير طلاقا ،
ودعوى أنه كناية من كنايات الطلاق مدفوعة بأن المخير لم يرد الفرقة لمجرد التخيير ، بل أراد تفويض المرأة وجعل
أمرها بيدها ، فإن اختارت البقاء بقيت على ما كانت عليه من الزوجية ، وإن اختارت الفرقة صارت مطلقة .
واختلفوا في اختيارها لنفسها هل يكون ذلك طلقة رجعية أو بائنة . فقال بالأول عمر وابن مسعود وابن
عباس وابن أبي ليلى والثوري والشافعي ، وقال بالثاني علي وأبو حنيفة وأصحابه وروي عن مالك . والراجح
الأول ، لأنه يبعد كل البعد أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه على خلاف ما أمره الله به ، وقد
أمره بقوله - إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن - وروي عن زيد بن ثابت أنها إذا اختارت نفسها فثلاث طلقات ،
وليس لهذا القول وجه . وقد روي عن علي أنها إذا اختارت نفسها فليس بشئ ، وإذا اختارت زوجها فواحدة
رجعية . ثم لما اختار نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله أنزل فيهن هذه الآيات تكرمة لهن
وتعظيما لحقهن فقال ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ) أي ظاهرة القبح واضحة الفحش ، وقد عصمهن
الله عن ذلك وبرأهن وطهرهن ( يضاعف لها العذاب ضعفين ) أي يعذبهن مثلي عذاب غيرهن من النساء إذا
أتين بمثل تلك الفاحشة ، وذلك لشرفهن وعلو درجتهن وارتفاع منزلتهن . وقد ثبت في هذه الشريعة في غير
موضع أن تضاعف الشرف وارتفاع الدرجات يوجب لصاحبه إذا عصى تضاعف العقوبات . وقرأ أبو عمرو
" يضعف " على البناء للمفعول ، وفرق هو وأبو عبيد بين يضاعف ويضعف فقالا : يكون يضاعف ثلاثة عذابات
ويضعف عذابين . قال النحاس : هذه التفرقة التي جاء بها لا يعرفها أحد من أهل اللغة ، والمعنى في يضاعف
ويضعف واحد : أي يجعل ضعفين ، وهكذا ضعف ما قالاه ابن جرير ( وكان ذلك على الله يسيرا ) لا يتعاظمه ولا
يصعب عليه ( ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا ) قرأ الجمهور " يقنت " بالتحتية ، وكذا قرأوا : يأت
منكن حملا على لفظ من في الموضعين ، وقرأ الجحدري ويعقوب وابن عامر في رواية وأبو جعفر بالفوقية حملا
على المعنى ، ومعنى " من يقنت " من يطع ، وكذا اختلف القراء في " مبينة " ، فمنهم من قرأها بالكسر ومنهم من
قرأها بفتح الياء كما تقدم في النساء . وقرأ ابن كثير وابن عامر " نضعف " بالنون ونصب العذاب ، وقرئ
فتح القدير — صفحة 276
مساهمون: الشوكاني
ص٢٧٦