تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
قوله ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ) العامل في الظرف محذوف : أي واذكر ، كأنه قال : يا أيها النبي اتق الله واذكر أن الله أخذ ميثاق النبيين . قال قتادة : أخذ الله الميثاق على النبيين خصوصا أن يصدق بعضهم بعضا ويتبع بعضهم بعضا . وقال مقاتل : أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ، ويدعوا إلى عبادة الله ، وأن يصدق بعضهم بعضا ، وأن ينصحوا لقومهم . والميثاق هو اليمين ، وقيل هو الإقرار بالله ، والأول أولى ، وقد سبق تحقيقه . ثم خصص سبحانه بعض النبيين بالذكر بعد التعميم الشامل لهم ولغيرهم ، فقال ( ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ) ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل لكونهم من أصحاب الشرائع المشهورة من أولي العزم من الرسل ، وتقديم ذكر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مع تأخر زمانه فيه من التشريف له والتعظيم مالا يخفى . قال الزجاج : وأخذ الميثاق حيث أخرجوا من صلب آدم كالذر . ثم أكد ما أخذه على النبيين من الميثاق بتكرير ذكره وصفه بالغلظ فقال ( وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) أي عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا وما أخذه الله عليهم ، ويجوز أن يكون قد أخذ الله عليهم الميثاق مرتين ، فأخذ عليهم في المرة الأولى مجرد الميثاق بدون تغليظ ولا تشديد ، ثم أخذه عليهم ثانيا مغلظا مشددا ، ومثل هذه الآية قوله - وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه - واللام في قوله ( ليسأل الصادقين عن صدقهم ) يجوز أن تكون لام كي : أي لكي يسأل الصادقين من النبيين عن صدقهم في تبليغ الرسالة إلى قومهم ، وفي هذا وعيد لغيرهم ، لأنهم إذا كانوا يسألون عن ذلك فكيف غيرهم . وقيل ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم كما في قوله - فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين - ويجوز أن تتعلق بمحذوف : أي فعل ذلك ليسأل ( وأعد للكافرين عذابا أليما ) معطوف على ما دل عليه ( ليسأل الصادقين ) إذ التقدير : أثاب الصادقين وأعد للكافرين ، ويجوز أن يكون معطوفا على أخذنا ، لأن المعنى : أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه ليثيب المؤمنين وأعد للكافرين . وقيل إنه قد حذف من الثاني ما أثبت مقابله في الأول ، ومن الأول ما أثبت مقابله في الثاني ، والتقدير : ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ، ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم وأعد لهم عذابا أليما . وقيل إنه معطوف على المقدر عاملا في ليسأل كما ذكرنا ، ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله ( ليسأل الصادقين عن صدقهم ) وتكون جملة ( وأعد لهم ) مستأنفة لبيان ما أعده للكفار ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ) هذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معها خوف من أحد وقوله " عليكم " متعلق بالنعمة إن كانت مصدرا أو بمحذوف هو حال : أي كائنة عليكم ، ومعنى ( إذ جاءتكم جنود ) حين جاءتكم جنود ، وهو ظرف للنعمة ، أو للمقدر عاملا في عليكم ، أو لمحذوف هو أذكر ، والمراد بالجنود : جنود الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغزوه إلى المدينة ، وهي الغزوة المسماة " غزوة الخندق " وهم : أبو سفيان بن حرب بقريش ومن معهم من الألفاف ، وعيينة بن حفص الفزاري ومن معه من قومه غطفان وبنو قريظة والنضير ، فضايقوا المسلمين مضايقة شديدة كما وصف الله سبحانه في هذه الآيات ، وكانت هذه الغزوة في شوال سنة خمس من الهجرة . قاله ابن إسحاق . وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك : كانت في سنة أربع . وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة ما هو معروف فلا نطيل بذكرها ( فأرسلنا عليهم ريحا ) معطوف على جاءتكم . قال مجاهد : هي الصبا ، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم ، ويدل على هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله " نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور " ، والمراد بقوله ( وجنودا لم تروها ) الملائكة . قال المفسرون : بعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد ، وقطعت أطناب
فتح القدير — صفحة 264 | الشوكاني