الفساطيط ، وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور ، وجالت الخيل بعضها في بعض ، وأرسل الله عليهم الرعب ،
وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر حتى كان سيد كل قوم يقول لقومه : يا بني فلان هلم إلي ، فإذا اجتمعوا
قال لهم : النجاء النجاء ( وكان الله بما تعملون بصيرا ) قرأ الجمهور " تعملون " بالفوقية : أي بما تعملون أيها
المسلمون من ترتيب الحرب ، وحفر الخندق ، واستنصاركم به ، وتوكلكم عليه ، وقرأ أبو عمرو بالتحتية : أي
بما يعلمه الكفار من العناد لله ولرسوله ، والتحزب على المسلمين واجتماعهم عليهم من كل جهة ( إذ جاءكم من
فوقكم ) إذ هذه وما بعدها بدل من إذ الأولى ، والعامل في هذه هو العامل في تلك ، وقيل منصوبة بمحذوف هو
أذكر ، ومعنى ( من فوقكم ) من أعلى الوادي ، وهو من جهة المشرق ، والذين جاءوا من هذه الجهة هم غطفان
وسيدهم عيينة بن حصن ، وهوازن وسيدهم عوف بن مالك ، وأهل نجد وسيدهم طليحة بن خويلد الأسدي ،
وانضم إليهم عوف بن مالك وبنو النضير ، ومعنى ( ومن أسفل منكم ) من أسفل الوادي من جهة المغرب من ناحية
مكة ، وهم قريش ومن معهم من الأحابيش ، وسيدهم أبو سفيان بن حرب ، وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن
أخطب اليهودي في يهود بني قريظة من وجه الخندق ، ومعهم عامر بن الطفيل ، وجملة ( وإذ زاغت الأبصار )
معطوفة على ما قبلها : أي مالت عن كل شئ فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب ، وقيل شخصت دهشا
من فرط الهول والحيرة ( وبلغت القلوب الحناجر ) جمع حنجرة ، وهي جوف الحلقوم : أي ارتفعت القلوب عن
مكانها ، ووصلت من الفزع والخوف إلى الحناجر ، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها ، وهو الذي نهايته الحنجرة
لخرجت ، كذا قال قتادة . وقيل هو على طريق المبالغة المعهودة في كلام العرب وإن لم ترتفع القلوب إلى ذلك
المكان ولا خرجت عن موضعها ، ولكنه مثل في اضطرابها وجبنها . قال الفراء : والمعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم ،
وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته ، فإذا انتفخت الرئة ارتفع القلب إلى الحنجرة ، ولهذا يقال للجبان :
انتفخ سحره ( وتظنون بالله الظنونا ) أي الظنون المختلفة ، فبعضهم ظن النصر ورجا الظفر ، وبعضهم ظن خلاف
ذلك . وقال الحسن : ظن المنافقون أنه يستأصل محمد وأصحابه ، وظن المؤمنون أنه ينصر . وقيل الآية خطاب
للمنافقين ، والأولى ما قاله الحسن . فيكون الخطاب لمن أظهر الإسلام على الإطلاق أعم من أن يكون مؤمنا في
الواقع أو منافقا .
واختلف القراء في هذه الألف في " الظنونا " : فأثبتها وصلا ووقفا نافع وابن عامر وأبو بكر ، ورويت هذه
القراءة عن أبي عمرو والكسائي ، وتمسكوا بخط المصحف العثماني وجميع المصاحف في جميع البلدان فإن الألف فيها
كلها ثابتة ، واختار هذه القراءة أبو عبيد إلا أنه قال : لا ينبغي للقارئ أن يدرج القراءة بعدهن بل يقف عليهن ،
وتمسكوا أيضا بما في أشعار العرب من مثل هذا . وقرأ أبو عمرو وحمزة والجحدري ويعقوب بحذفها في الوصل
والوقف معا ، وقالوا : هي من زيادات الخط فكتبت كذلك ، ولا ينبغي النطق بها . وأما في الشعر فهو يجوز فيه
للضرورة مالا يجوز في غيره . وقرأ ابن كثير والكسائي وابن محيصن بإثباتها وقفا وحذفها وصلا ، وهذه القراءة
راجحة باعتبار اللغة العربية ، وهذه الألف هي التي تسميها النحاة ألف الإطلاق ، والكلام فيها معروف في علم
النحو ، وهكذا اختلف القراء في الألف التي في قوله " الرسولا ، والسبيلا " كما سيأتي آخر هذه السورة ( هنالك
ابتلى المؤمنون ) الظرف منتصب بالفعل الذي بعده ، وقيل بتظنون ، واستضعفه ابن عطية ، وهو ظرف مكان
يقال للمكان البعيد هنالك كما يقال للمكان القريب هنا ، وللمتوسط هناك . وقد يكون ظرف زمان : أي عند
ذلك الوقت ابتلى المؤمنون ومنه قول الشاعر :
فتح القدير — صفحة 265
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦٥