تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وإذا الأمور تعاظمت وتشاكلت * فهناك يعترفون أين المفزع أي في ذلك الوقت ، والمعنى : أن في ذلك المكان أو الزمان اختبر المؤمنون بالخوف والقتال والجوع والحصر والنزال ليتبين المؤمن من المنافق ( وزلزلوا زلزالا شديدا ) قرأ الجمهور " زلزلوا " بضم الزاي الأولى وكسر الثانية على ما هو الأصل في المبني للمفعول ، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ بكسر الأولى ، وروى الزمخشري عنه أنه قرأ بإشمامها كسرا ، وقرأ الجمهور " زلزالا " بكسر الزاي الأولى ، وقرأ عاصم والجحدري وعيسى بن عمر بفتحها . قال الزجاج : كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر والفتح : نحو قلقلته قلقالا ، وزلزلوا زلزالا ، والكسر أجود . قال ابن سلام : معنى زلزلوا : حركوا بالخوف تحريكا شديدا . وقال الضحاك : هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق ، وقيل المعنى أنهم اضطربوا اضطرابا مختلفا ، فمنهم من اضطراب في نفسه ، ومنهم من اضطرب في دينه ( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ) معطوف على " إذ زاغت الأبصار " ، والمرض في القلوب هو الشك والريبة ، والمراد بالمنافقون : عبد الله بن أبي وأصحابه ، وبالذين في قلوبهم مرض : أهل الشك والاضطراب ( ما وعدنا الله ورسوله ) من النصر والظفر ( إلا غرورا ) أي باطلا من القول ، وكان القائلون بهذه المقالة نحو سبعين رجلا من أهل النفاق والشك ، وهذا القول المحكى عن هؤلاء هو كالتفسير للظنون المذكورة : أي كان ظن هؤلاء هذا الظن ، كما كان ظن المؤمنين النصر وإعلاء كلمة الله ( وإذ قالت طائفة منهم ) أي من المنافقين . قال مقاتل : هم بنو سالم من المنافقين . وقال السدي : هم عبد الله بن أبي وأصحابه ، وقيل هم أوس بن قبطي وأصحابه ، والطائفة تقع على الواحد فما فوقه ، والقول الذي قالته هذه الطائفة هو قوله ( يا أهل يثرب لا مقام لكم ) أي لا موضع إقامة لكم ، أو لا إقامة لكم هاهنا في العسكر . قال أبو عبيد : يثرب اسم الأرض ، ومدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ناحية منها . قال السهيلي : وسميت يثرب ، لأن الذي نزلها من العمالقة اسمه يثرب بن عميل ، قرأ الجمهور " لا مقام لكم " بفتح الميم ، وقرأ حفص والسلمي والجحدري وأبو حيوة بضمها ، على أنه مصدر من أقام يقيم ، وعلى القراءة الأولى هو اسم مكان ( فارجعوا ) أي إلى منازلكم ، أمروهم بالهرب من عسكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين خرجوا عام الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع والخندق بينهم وبين القوم ، فقال هؤلاء المنافقون : ليس هاهنا موضع إقامة ، وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة " ( ويستأذن فريق منهم النبي ) معطوف على " قالت طائفة منهم " : أي يستأذنون في الرجوع إلى منازلهم وهم بنو حارثة وبنو سلمة ، وجملة ( يقولون ) بدل من قوله " يستأذن " أو حال أو استئناف جوابا لسؤال مقدر ، والقول الذي قالوه هو قولهم ( إن بيوتنا عورة ) أي ضائعة سائبة ليست بحصينة ولا ممتنعة من العدو . قال الزجاج : يقال عور المكان يعور عورا وعورة ، وبيوت عورة وعورة ، وهي مصدر . قال مجاهد ومقاتل والحسن : قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق . وقال قتادة : قالوا بيوتنا مما يلي العدو ولا تأمن على أهلنا . قال الهروي : كل مكان ليس بممنوع ولا مستور فهو عورة ، والعورة في الأصل : الخلل فأطلقت على المختل ، والمراد : ذات عورة ، وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو رجاء العطاردي عورة بكسر الواو أي قصيرة الجدران . قال الجوهري : العورة كل حال يتخوف منه في ثغر أو حرب . قال النحاس يقال أعور المكان : إذا تبينت فيه عورة ، وأعور الفارس : إذا تبين منه موضع الخلل ، ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله ( وما هي بعورة ) فكذبهم الله سبحانه فيما ذكروه ، والجملة في محل نصب على الحال ، ثم بين سبب استئذانهم وما يريدونه به ، فقال ( إن يريدون إلا فرارا ) أي ما يريدون