تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
" تظهرون " بفتح الفوقية وتشديد الظاء بدون ألف ، والأصل تتظهرون ، والظهار مشتق من الظهر ، وأصله أن يقول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، والمعنى : وما جعل الله نساءكم اللائي تقولون لهن هذا القول كأمهاتكم في التحريم ، ولكنه منكر من القول وزور ( و ) كذلك ( ما جعل ) الأدعياء الذين تدعون أنهم ( أبناءكم ) أبناء لكم ، والأدعياء جمع دعي ، وهو الذي يدعى ابنا لغير أبيه ، وسيأتي الكلام في الظهار في سورة المجادلة ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى ما تقدم من ذكر الظهار والادعاء ، وهو مبتدأ وخبره ( قولكم بأفواهكم ) أي ليس ذلك إلا مجرد قول بالأفواه ولا تأثير له ، فلا تصير المرأة به أما ولا ابن الغير به ابنا ، ولا يترتب على ذلك شئ من أحكام الأمومة والبنوة . وقيل الإشارة راجعة إلى الادعاء : أي ادعاؤكم أن أبناء الغير أبناؤكم لا حقيقة له ، بل هو مجرد قول بالفم ( والله يقول الحق ) الذي يحق اتباعه لكونه حقا في نفسه لا باطلا ، فيدخل تحته دعاء الأبناء لآبائهم ( وهو يهدي السبيل ) أي يدل على الطريق الموصلة إلى الحق ، وفي هذا إرشاد للعباد إلى قول الحق وترك قول الباطل والزور . ثم صرح سبحانه بما يجب على العباد من دعاء الأبناء للآباء فقال ( ادعوهم لآبائهم ) للصلب وانسبوهم إليهم ولا تدعوهم إلى غيرهم ، وجملة ( هو أقسط عند الله ) تعليل للأمر بدعاء الأبناء للآباء ، والضمير راجع إلى مصدر ادعوهم ، ومعنى أقسط أعدل : أي أعدل كل كلام يتعلق بذلك ، فترك الإضافة للعموم كقوله الله أكبر ، وقد يكون المضاف إليه مقدرا خاصا : أي أعدل من قولكم هو ابن فلان ولم يكن ابنه لصلبه . ثم تمم سبحانه الإرشاد للعباد فقال ( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) أي فهم إخوانكم في الدين وهم مواليكم ، فقولوا : أخي ومولاي ولا تقولوا ابن فلان ، حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة . قال الزجاج : ويجوز أن يكون مواليكم أولياءكم في الدين . وقيل المعنى : فإن كانوا محررين ولم يكونوا أحرارا ، فقولوا موالي فلان ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) أي لا إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من غير عمد ، ( ولكن ) الإثم ( فيما تعمدت قلوبكم ) وهو ما قلتموه على طريقة العمد من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بذلك . قال قتادة : لو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس ( وكان الله غفورا رحيما ) يغفر للمخطئ ويرحمه ويتجاوز عنه ، أو غفورا للذنوب رحيما بالعباد ، ومن جملة من يغفر له ويرحمه من دعا رجلا لغير أبيه خطأ . أو قبل النهي عن ذلك . ثم ذكر سبحانه لرسوله مزية عظيمة وخصوصية جليلة لا يشاركه فيها أحد من العباد فقال ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) أي هو أحق بهم في كل أمور الدين والدنيا ، وأولى بهم من أنفسهم فضلا عن أن يكون أولى بهم من غيرهم ، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم ، وإن كانوا محتاجين إليها ، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم أنفسهم ، ويجب عليهم أن يقدموا حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم . وبالجملة فإذا دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لشئ ودعتهم أنفسهم إلى غيره وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه ، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم . وقيل المراد بأنفسهم في الآية بعضهم ، فيكون المعنى : أن النبي أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض . وقيل هي خاصة بالقضاء : أي هو أولى بهم من أنفسهم فيما قضى به بينهم . وقيل أولى بهم في الجهاد بين يديه وبذل النفس دونه ، والأول أولى ( وأزواجه أمهاتهم ) أي مثل أمهاتهم في الحكم بالتحريم ومنزلات منزلتهن في استحقاق التعظيم فلا يحل لأحد أن يتزوج بواحدة منهن كما لا يحل له أن يتزوج بأمه ، فهذه الأمومة مختصة بتحريم النكاح لهن وبالتعظيم لجنابهن ، وتخصيص المؤمنين يدل على أنهن لسن أمهات نساء المؤمنين ولا بنات أخوات المؤمنين ، ولا أخوتهن أخوال المؤمنين . وقال القرطبي : الذي يظهر لي أنهن