وكذلك ناقة جروز : إذا كانت تأكل كل شئ تجده . وقال مجاهد : إنها أرض النيل ، لأن الماء إنما يأتيها
في كل عام ( فنخرج به ) : أي بالماء ( زرعا تأكل منه أنعامهم ) أي من الزرع كالتبن والورق ونحوهما مما
لا يأكله الناس ( وأنفسهم ) أي يأكلون الحبوب الخارجة في الزرع مما يقتاتونه ، وجملة ( تأكل منه أنعامهم ) في
محل نصب على الحال ( أفلا يبصرون ) هذه النعم ويشكرون المنعم ويوحدونه لكونه المنفرد بإيجاد ذلك ( ويقولون
متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ) القائلون هم الكفار على العموم ، أو كفار مكة على الخصوص : أي متى الفتح
الذي تعدونا به ، يعنون بالفتح القضاء والفصل بين العباد ، وهو يوم البعث الذي يقضي الله فيه بين عباده ، قاله
مجاهد وغيره . وقال الفراء والقتيبي : هو فتح مكة . قال قتادة : قال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للكفار :
إن لنا يوما ننعم فيه ونستريح ويحكم الله بيننا وبينكم : يعنون يوم القيامة ، فقال الكفار : متى هذا الفتح ؟ وقال
السدي : هو يوم بدر ، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون للكفار : إن الله ناصرنا ومظهرنا
عليكم ، ومتى في قوله ( متى هذا الفتح ) في موضع رفع ، أو في موضع نصب على الظرفية . ثم أمر الله سبحانه
نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عليهم فقال ( قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولاهم ينظرون )
وفي هذا دليل على أن يوم الفتح هو يوم القيامة ، لأن يوم فتح مكة ويوم بدر هما مما ينفع فيه الإيمان ، وقد أسلم
أهل مكة يوم الفتح ، وقبل ذلك منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومعنى ( ولا هم ينظرون ) لا يمهلون ولا
يؤخرون ، ويوم في " يوم الفتح " منصوب على الظرفية ، وأجاز الفراء الرفع ( فأعرض عنهم ) أي عن سفههم
وتكذيبهم ولا تجبهم إلا بما أمرت به ( وانتظر إنهم منتظرون ) أي وانتظر يوم الفتح ، وهو يوم القيامة ، أو يوم
إهلاكهم بالقتل إنهم منتظرون بك حوادث الزمان من موت أو قتل أو غلبة كقوله - فتربصوا إنا معكم متربصون -
ويجوز أن يراد إنهم منتظرون لإهلاكهم ، والآية منسوخة بآية السيف ، وقيل غير منسوخة ، إذ قد يقع الإعراض
مع الأمر بالقتال . وقرأ ابن السميفع " إنهم منتظرون " بفتح الظاء مبنيا للمفعول ، ورويت هذه القراءة عن مجاهد
وابن محيصن . قال الفراء : لا يصح هذا إلا بإضمار : أي إنهم منتظر بهم . قال أبو حاتم : الصحيح الكسر : أي
انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك .
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " رأيت
ليلة أسرى بي موسى بن عمران رجلا طويلا جعدا كأنه من رجال شنوءة ، ورأيت عيسى ابن مريم مربوع الخلق
إلى الحمرة والبياض سبط الرأس ، ورأيت مالكا خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه " قال ( فلا تكن في
مرية من لقائه ) فكان قتادة يفسرها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد لقي موسى ( وجعلناه هدى لبني إسرائيل )
قال : جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل . وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند قال السيوطي :
صحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( فلا تكن في مرية من لقائه ) قال من لقاء موسى ، قيل
أو لقى موسى ؟ قال نعم ، ألا ترى إلى قوله - واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا - وأخرج الفريابي وابن جرير
وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ) قال : الجرز التي لا تمطر إلا
مطرا لا يغنى عنها شيئا إلا ما يأتيها من السيول . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في
قوله ( إلى الأرض الجرز ) قال : أرض باليمن . قال القرطبي في تفسيره : والإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن
فيه . وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله ( ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم
صادقين ) قال : يوم بدر فتح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت .
فتح القدير — صفحة 258
مساهمون: الشوكاني
ص٢٥٨