تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
قوله ( آلم ) قد قدمنا الكلام على فاتحة هذه السورة وعلى محلها من الإعراب في سورة البقرة وفي مواضع كثيرة من فواتح السور ، وارتفاع ( تنزيل ) على أنه خبر لمبتدأ محذوف أو خبر بعد خبر على تقدير أن آلم في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أو خبر لقوله آلم على تقدير أنه اسم للسورة ، و ( لا ريب فيه ) في محل نصب على الحال ، ويجوز أن يكون ارتفاع تنزيل على أنه مبتدأ وخبره لا ريب فيه ، ومن رب العالمين في محل نصب على الحال ، ويجوز أن تكون هذه كلها أخبارا للمبتدأ المقدر قبل تنزيل ، أو لقوله آلم على تقدير أنه مبتدأ لا على تقدير أنه حروف مسرودة على نمط التعديد . قال مكي : وأحسن الوجوه أن تكون " لا ريب فيه " في موضع الحال . و " من رب العالمين " الخبر ، والمعنى على هذه الوجوه : أن تنزيل الكتاب المتلو لا ريب فيه ولا شك وأنه منزل من رب العالمين ، وأنه ليس بكذب ولا سحر ولا كهانة ولا أساطير الأولين ، و " أم " في ( أم يقولون افتراه ) هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة : أي بل أيقولون هو مفترى فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو معتقد الكفار مع الاستفهام المتضمن للتقريع والتوبيخ ، ومعنى " افتراه " افتعله واختلقه . ثم أضرب عن معتقدهم إلى بيان ما هو الحق في شأن الكتاب فقال ( بل هو الحق من ربك ) فكذبهم سبحانه في دعوى الافتراء ، ثم بين العلة التي كان التنزيل لأجلها فقال ( لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) وهم العرب وكانوا أمة أمية لم يأتهم رسول ، وقيل قريش خاصة ، والمفعول الثاني لتنذر محذوف : أي لتنذر قوما العقاب ، وجملة ما أتاهم من نذير في محل نصب على الحال ومن قبلك صفة لنذير . وجوز أبو حيان أن تكون ما موصولة ، والتقدير : لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك ، وهو ضعيف جدا ، فإن المراد تعليل الإنزال بالإنذار لقوم لم يأتهم نذير قبله ، لا تعليله بالإنذار لقوم قد أنذروا بما أنذرهم به ، وقيل المراد بالقوم أهل الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ( لعلهم يهتدون ) رجاء أن يهتدوا ، أو كي يهتدوا ( الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ) قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الأعراف ، والمراد من ذكرها هنا تعريفهم كمال قدرته وعظيم صنعته ليسمعوا القرآن ويتأملوه ، ومعنى خلق : أوجد وأبدع . قال الحسن : الأيام هنا هي من أيام الدنيا ، وقيل مقدار اليوم ألف سنة من سني الدنيا ، قاله الضحاك . فعلى هذا المراد بالأيام هنا هي من أيام الآخرة لا من أيام الدنيا ، وليست ثم للترتيب في قوله ( ثم استوى على العرش ) وقد تقدم تفسير هذا مستوفى ( مالكم من دونه من ولي ولا شفيع )
فتح القدير — صفحة 247 | الشوكاني