قوله ( آلم ) قد قدمنا الكلام على فاتحة هذه السورة وعلى محلها من الإعراب في سورة البقرة وفي مواضع كثيرة
من فواتح السور ، وارتفاع ( تنزيل ) على أنه خبر لمبتدأ محذوف أو خبر بعد خبر على تقدير أن آلم في محل
رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أو خبر لقوله آلم على تقدير أنه اسم للسورة ، و ( لا ريب فيه ) في محل نصب على
الحال ، ويجوز أن يكون ارتفاع تنزيل على أنه مبتدأ وخبره لا ريب فيه ، ومن رب العالمين في محل نصب على الحال ،
ويجوز أن تكون هذه كلها أخبارا للمبتدأ المقدر قبل تنزيل ، أو لقوله آلم على تقدير أنه مبتدأ لا على تقدير أنه
حروف مسرودة على نمط التعديد . قال مكي : وأحسن الوجوه أن تكون " لا ريب فيه " في موضع الحال . و " من
رب العالمين " الخبر ، والمعنى على هذه الوجوه : أن تنزيل الكتاب المتلو لا ريب فيه ولا شك وأنه منزل من رب
العالمين ، وأنه ليس بكذب ولا سحر ولا كهانة ولا أساطير الأولين ، و " أم " في ( أم يقولون افتراه ) هي المنقطعة
التي بمعنى بل والهمزة : أي بل أيقولون هو مفترى فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو معتقد الكفار مع الاستفهام
المتضمن للتقريع والتوبيخ ، ومعنى " افتراه " افتعله واختلقه . ثم أضرب عن معتقدهم إلى بيان ما هو الحق في شأن
الكتاب فقال ( بل هو الحق من ربك ) فكذبهم سبحانه في دعوى الافتراء ، ثم بين العلة التي كان التنزيل لأجلها
فقال ( لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) وهم العرب وكانوا أمة أمية لم يأتهم رسول ، وقيل قريش خاصة ،
والمفعول الثاني لتنذر محذوف : أي لتنذر قوما العقاب ، وجملة ما أتاهم من نذير في محل نصب على الحال ومن
قبلك صفة لنذير . وجوز أبو حيان أن تكون ما موصولة ، والتقدير : لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من
نذير من قبلك ، وهو ضعيف جدا ، فإن المراد تعليل الإنزال بالإنذار لقوم لم يأتهم نذير قبله ، لا تعليله بالإنذار
لقوم قد أنذروا بما أنذرهم به ، وقيل المراد بالقوم أهل الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ( لعلهم
يهتدون ) رجاء أن يهتدوا ، أو كي يهتدوا ( الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش )
قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الأعراف ، والمراد من ذكرها هنا تعريفهم كمال قدرته وعظيم صنعته ليسمعوا
القرآن ويتأملوه ، ومعنى خلق : أوجد وأبدع . قال الحسن : الأيام هنا هي من أيام الدنيا ، وقيل مقدار اليوم
ألف سنة من سني الدنيا ، قاله الضحاك . فعلى هذا المراد بالأيام هنا هي من أيام الآخرة لا من أيام الدنيا ، وليست
ثم للترتيب في قوله ( ثم استوى على العرش ) وقد تقدم تفسير هذا مستوفى ( مالكم من دونه من ولي ولا شفيع )
فتح القدير — صفحة 247
مساهمون: الشوكاني
ص٢٤٧