تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
خلق الإنسان من طين ) يعني آدم خلقه من طين فصار على صورة بديعة وشكل حسن ( وجعل نسله ) أي ذريته ( من سلالة ) سميت الذرية سلالة لأنها تسل من الأصل وتنفصل عنه ، وقد تقدم تفسيرها في سورة المؤمنين ، ومعنى ( من ماء مهين ) من ماء ممتهن لاخطر له عند الناس وهو المني . وقال الزجاج : من ماء ضعيف ( ثم سواه ) أي الإنسان الذي بدأ خلقه من طين ، وهو آدم ، أو جميع النوع ، والمراد أنه عدل خلقه وسوى شكله وناسب بين أعضائه ( ونفخ فيه من روحه ) الإضافة للتشريف والتكريم ، وهذه الإضافة تقوى أن الكلام في آدم لا في ذريته وإن أمكن توجيهه بالنسبة إلى الجميع . ثم خاطب جميع النوع فقال ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) أي خلق لكم هذه الأشياء تكميلا لنعمته عليكم وتتميما لتسويته لخلقكم حتى تجتمع لكم النعم ، فتسمعون كل مسموع وتبصرون كل مبصر ، وتتعقلون كل متعقل ، وتفهمون كل ما يفهم ، وأفرد السمع لكونه مصدرا يشمل القليل والكثير ، وخص السمع بذكر المصدر دون البصر والفؤاد فذكرهما بالاسم ولهذا جمعا ، لأن السمع قوة واحدة ولها محل واحد وهو الأذن ولا اختيار لها فيه ، فإن الصوت يصل إليها ولا تقدر على رده ، ولا على تخصيص السمع ببعض المسموعات دون بعض ، بخلاف الأبصار فمحلها العين وله فيه اختيار ، فإنها تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره ، وتطبق أجفانها إذا لم ترد الرؤية لشئ ، وكذلك الفؤاد له نوع اختيار في إدراكه ، فيتعقل هذا دون هذا ، ويفهم هذا دون هذا . قرأ الجمهور " وبدأ " بالهمز ، والزهري بألف خالصة بدون همز ، وانتصاب ( قليلا ما تشكرون ) على أنه صفة مصدر محذوف : أي شكرا قليلا ، أو صفة زمان محذوف : أي زمانا قليلا . وفي هذا بيان لكفرهم لنعم الله وتركهم لشكرها إلا فيما ندر من الأحوال ( وقالوا أئذا ضللنا في الأرض ) قد تقدم اختلاف القراء في هذه الهمزة وفي الهمزة التي بعدها ، والضلال الغيبوبة ، يقال : ضل الميت في التراب إذا غاب وبطل ، والعرب تقول للشيء إذا غلب عليه غيره حتى خفي أثره قد ضل . ومنه قول الأخطل : كنت القذى في موج أكدر مزبد * قذف الأتى بها فضل ضلالا قال قطرب : معنى ضللنا في الأرض : غبنا في الأرض . قرأ الجمهور " ضللنا " بفتح ضاد معجمة ولام مفتوحة بمعنى ذهبنا وضعنا وصرنا ترابا وغبنا عن الأعين . وقرأ يحيى بن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء " ضللنا " بكسر اللام ، وهي لغة العالية من نجد . قال الجوهري : وأهل العالية يقولون ضللت بالكسر . قال وأضله : أي أضاعه وأهلكه ، يقال ضل الميت إذا دفن . وقرأ علي بن أبي طالب والحسن والأعمش وأبان بن سعيد " صللنا " بصاد مهملة ولام مفتوحة : أي أنتنا . قال النحاس : ولا يعرف في اللغة صللنا ، ولكن يقال صل اللحم إذا أنتن . قال الجوهري : صل اللحم يصل بالكسر صلولا إذا أنتن ، مطبوخا كان أو نيئا ، ومنه قول الحطيئة : ذاك فتى يبذل ذا قدرة * لا يفسد اللحم لديه الصلول ( أإنا لفي خلق جديد ) أي نبعث ونصير أحياء ، والاستفهام للاستنكار . وهذا قول منكري البعث من الكفار ، فأضرب الله سبحانه من بيان كفرهم بإنكار البعث إلى بيان ما هو أبلغ منه ، وهو كفرهم بلقاء الله ، فقال ( بل هم بلقاء ربهم كافرون ) أي جاحدون له مكابرة وعنادا ، فإن اعترافهم بأنه المبتدئ للخلق يستلزم اعترافهم بأنه قادر على الإعادة . ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبين لهم الحق ويرد عليهم ما زعموه من الباطل ، فقال ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) يقال : توفاه الله واستوفى روحه إذا قبضه إليه ، وملك الموت هو عزرائيل ، ومعنى وكل بكم : وكل بقبض أرواحكم عند حضور آجالكم ( ثم إلى ربكم ترجعون ) أي تصيرون إليه أحياء بالبعث والنشور لا إلى غيره ، فيجازيكم بأعمالكم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .