وقعوا في مثل هذه الحالة اعترفوا بوحدانية الله وأخلصوا دينهم له طلبا للخلاص والسلامة مما وقعوا فيه ( فلما
نجاهم إلى البر ) صاروا على قسمين : فقسم ( مقتصد ) أي موف بما عاهد عليه الله في البحر من إخلاص الدين له
باق على ذلك بعد أن نجاه الله من هول البحر ، وأخرجه إلى البر سالما . قال الحسن : معنى مقتصد مؤمن متمسك
بالتوحيد والطاعة . وقال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر ، والأولى ما ذكرناه ، ويكون في الكلام حذف ،
والتقدير فمنهم مقتصد ومنهم كافر ، ويدل على هذا المحذوف قوله ( وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) الختر :
أسوأ الغدر وأقبحه ، ومنه قول الأعشى :
بالأبلق الفرد من تيماء منزله * حصن حصين وجار غير ختار
قال الجوهري : الختر الغدر ، يقال ختره فهو ختار . قال الماوردي : وهذا قول الجمهور . وقال ابن
عطية : إنه الجاحد ، وجحد الآيات : إنكارها ، والكفور : عظيم الكفر بنعم الله سبحانه ( يا أيها الناس اتقوا ربكم
واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ) أي لا يغني الوالد عن ولده شيئا ولا ينفعه بوجه من وجوه النفع لاشتغاله
بنفسه . وقد تقدم بيان معناه في البقرة ( ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) ذكر سبحانه فردين من القرابات وهو
الوالد والولد وهما الغاية في الحنو والشفقة على بعضهم البعض فما عداهما من القرابات لا يجزي بالأولى فكيف
بالأجانب . اللهم اجعلنا ممن لا يرجو سواك ولا يعول على غيرك ( إن وعد الله حق ) لا يتخلف فما وعد به من الخير
وأوعد به من الشر فهو كائن لا محالة ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ) وزخارفها فإنها زائلة ذاهبة ( ولا يغرنكم بالله
الغرور ) قرأ الجمهور " الغرور " بفتح الغين المعجمة ، والغرور هو الشيطان ، لأن من شأنه أن يغر الخلق ويمنيهم
بالأماني الباطلة ، ويلهيهم عن الآخرة ، ويصدهم عن طريق الحق . وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة وابن السميفع
بضم الغين مصدر غر يغر غرورا ، ويجوز أن يكون مصدرا واقعا وصفا للشيطان على المبالغة ( إن الله عنده علم
الساعة ) أي علم وقتها الذي تقوم فيه . قال الفراء : إن معنى هذا الكلام النفي : أي ما يعلمه أحد إلا الله عز وجل . قال
النحاس : وإنما صار فيه معنى النفي لما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في قوله - وعنده مفاتح الغيب
لا يعلمها إلا هو - إنها هذه ( وينزل الغيث ) في الأوقات التي جعلها معينة لإنزاله ولا يعلم ذلك غيره ( ويعلم ما في الأرحام )
من الذكور والإناث والصلاح والفساد ( وما تدري نفس ) من النفوس كائنة ما كانت من غير فرق بين الملائكة
والأنبياء والجن والإنس ( ماذا تكسب غدا ) من كسب دين أو كسب دنيا ( وما تدري نفس بأي أرض تموت )
أي بأي مكان يقضي الله عليها بالموت . قرأ الجمهور " وينزل الغيث " مشددا . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة
والكسائي مخففا . وقرأ الجمهور " بأي أرض " وقرأ أبي بن كعب وموسى الأهوازي " بأية " وجوز ذلك الفراء
وهي لغة ضعيفة . قال الأخفش : يجوز أن يقال مررت بجارية أي جارية . قال الزجاج : من ادعى أنه يعلم شيئا
من هذه الخمس فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه .
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( ختار ) قال : جحاد . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه
في قوله ( ولا يغرنكم بالله الغرور ) قال : هو الشيطان . وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة . وأخرج الفريابي وابن
جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال " جاء رجل من أهل البادية فقال : إن امرأتي حبلى فأخبرني ما تلد ؟ وبلادنا
مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث ؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت ؟ فأنزل الله ( إن الله عنده علم
الساعة ) الآية " . وأخرج ابن المنذر عن عكرمة نحوه وزاد : وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غدا ؟
فتح القدير — صفحة 245
مساهمون: الشوكاني
ص٢٤٥