تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
وقعوا في مثل هذه الحالة اعترفوا بوحدانية الله وأخلصوا دينهم له طلبا للخلاص والسلامة مما وقعوا فيه ( فلما نجاهم إلى البر ) صاروا على قسمين : فقسم ( مقتصد ) أي موف بما عاهد عليه الله في البحر من إخلاص الدين له باق على ذلك بعد أن نجاه الله من هول البحر ، وأخرجه إلى البر سالما . قال الحسن : معنى مقتصد مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة . وقال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر ، والأولى ما ذكرناه ، ويكون في الكلام حذف ، والتقدير فمنهم مقتصد ومنهم كافر ، ويدل على هذا المحذوف قوله ( وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) الختر : أسوأ الغدر وأقبحه ، ومنه قول الأعشى : بالأبلق الفرد من تيماء منزله * حصن حصين وجار غير ختار قال الجوهري : الختر الغدر ، يقال ختره فهو ختار . قال الماوردي : وهذا قول الجمهور . وقال ابن عطية : إنه الجاحد ، وجحد الآيات : إنكارها ، والكفور : عظيم الكفر بنعم الله سبحانه ( يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ) أي لا يغني الوالد عن ولده شيئا ولا ينفعه بوجه من وجوه النفع لاشتغاله بنفسه . وقد تقدم بيان معناه في البقرة ( ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) ذكر سبحانه فردين من القرابات وهو الوالد والولد وهما الغاية في الحنو والشفقة على بعضهم البعض فما عداهما من القرابات لا يجزي بالأولى فكيف بالأجانب . اللهم اجعلنا ممن لا يرجو سواك ولا يعول على غيرك ( إن وعد الله حق ) لا يتخلف فما وعد به من الخير وأوعد به من الشر فهو كائن لا محالة ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ) وزخارفها فإنها زائلة ذاهبة ( ولا يغرنكم بالله الغرور ) قرأ الجمهور " الغرور " بفتح الغين المعجمة ، والغرور هو الشيطان ، لأن من شأنه أن يغر الخلق ويمنيهم بالأماني الباطلة ، ويلهيهم عن الآخرة ، ويصدهم عن طريق الحق . وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة وابن السميفع بضم الغين مصدر غر يغر غرورا ، ويجوز أن يكون مصدرا واقعا وصفا للشيطان على المبالغة ( إن الله عنده علم الساعة ) أي علم وقتها الذي تقوم فيه . قال الفراء : إن معنى هذا الكلام النفي : أي ما يعلمه أحد إلا الله عز وجل . قال النحاس : وإنما صار فيه معنى النفي لما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في قوله - وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو - إنها هذه ( وينزل الغيث ) في الأوقات التي جعلها معينة لإنزاله ولا يعلم ذلك غيره ( ويعلم ما في الأرحام ) من الذكور والإناث والصلاح والفساد ( وما تدري نفس ) من النفوس كائنة ما كانت من غير فرق بين الملائكة والأنبياء والجن والإنس ( ماذا تكسب غدا ) من كسب دين أو كسب دنيا ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) أي بأي مكان يقضي الله عليها بالموت . قرأ الجمهور " وينزل الغيث " مشددا . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي مخففا . وقرأ الجمهور " بأي أرض " وقرأ أبي بن كعب وموسى الأهوازي " بأية " وجوز ذلك الفراء وهي لغة ضعيفة . قال الأخفش : يجوز أن يقال مررت بجارية أي جارية . قال الزجاج : من ادعى أنه يعلم شيئا من هذه الخمس فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه . وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( ختار ) قال : جحاد . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ( ولا يغرنكم بالله الغرور ) قال : هو الشيطان . وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة . وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال " جاء رجل من أهل البادية فقال : إن امرأتي حبلى فأخبرني ما تلد ؟ وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث ؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت ؟ فأنزل الله ( إن الله عنده علم الساعة ) الآية " . وأخرج ابن المنذر عن عكرمة نحوه وزاد : وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غدا ؟