تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
لما فرغ سبحانه من قصة لقمان رجع إلى توبيخ المشركين وتبكيتهم وإقامة الحجج عليهم فقال ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) قال الزجاج : معنى تسخيرها للادميين الانتفاع بها انتهى ، فمن مخلوقات السماوات المسخرة لبني آدم : أي التي ينتفعون بها الشمس والقمر والنجوم ونحو ذلك . ومن جملة ذلك الملائكة فإنهم حفظة لبني آدم بأمر الله سبحانه ، ومن مخلوقات الأرض المسخرة لبني آدم الأحجار والتراب والزرع والشجر والثمر والحيوانات التي ينتفعون بها والشعب الذي يرعون فيه دوابهم وغير ذلك مما لا يحصى كثرة ، فالمراد بالتسخير جعل المسخر بحيث ينتفع به المسخر له سواء كان منقادا له وداخلا تحت تصرفه أم لا ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) أي أتم وأكمل عليكم نعمه ، يقال سبغت النعمة إذا تمت وكملت . قرأ الجمهور " أسبغ " بالسين ، وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة " أصبغ " بالصاد مكان السين . والنعم جمع نعمة على قراءة نافع وأبي عمرو وحفص ، وقرأ الباقون " نعمة " بسكون العين على الإفراد والتنوين اسم جنس يراد به الجمع ويدل به على الكثرة ، كقوله - وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها - وهي قراءة ابن عباس . والمراد بالنعم الظاهرة ما يدرك بالعقل أو الحس ويعرفه من يتعرفه ، وبالباطنة فلا مالا يدرك للناس ويخفى عليهم . وقيل الظاهرة الصحة وكمال الخلق ، والباطنة المعرفة والعقل . وقيل الظاهرة ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال وفعل الطاعات ، والباطنة ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفعه الله عن البعد من الآفات . وقيل الظاهرة نعم الدنيا ، والباطنة نعم الآخرة . وقيل الظاهرة الإسلام والجمال ، والباطنة ما ستره الله على العبد من الأعمال السيئة ( ومن الناس من يجادل في الله ) أي في شأن الله سبحانه في توحيده وصفاته مكابرة وعنادا بعد ظهور الحق له وقيام الحجة عليه ، ولهذا قال ( بغير علم ) من عقل ولا نقل ( ولا هدى ) يهتدي به إلى طريق الصواب ( ولا كتاب منير ) أنزله الله سبحانه ، بل مجرد تعنت ومحض عناد . وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ) أي إذا قيل لهؤلاء المجادلين . والجمع باعتبار معنى من ، اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الكتاب تمسكوا بمجرد التقليد البحت ، و ( قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فنعبد ما كانوا يعبدونه من الأصنام ، ونمشي منه في الطريق التي كانوا يمشون بها في دينهم ، ثم قال على طريق الاستفهام للاستبعاد والتبكيت ( أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) أي يدعو آباءهم الذين اقتدوا بهم في دينهم : أي يتبعونهم في الشرك ، ولو كان الشيطان يدعوهم فيما هم عليه من الشرك ، ويجوز أن يراد أنه يدعو هؤلاء الأتباع إلى عذاب السعير ، لأنه زين لهم اتباع آبائهم والتدين