تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
الكفار ، وقيل كفار مكة على الخصوص ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ) أي يعلمون ظاهر ما يشاهدونه من زخارف الدنيا وملاذها وأمر معاشهم وأسباب تحصيل فوائدهم الدنيوية ، وقيل هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع ، وقيل الظاهر الباطل ( وهم عن الآخرة ) التي هي النعمة الدائمة ، واللذة الخالصة ( هم غافلون ) لا يلتفتون إليها ولا يعدون لها ما يحتاج إليه . أو غافلون عن الإيمان بها والتصديق بمجيئها ( أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما ) الهمزة للانكار عليهم والواو للعطف على مقدر كما في نظائره ، وفي أنفسهم ظرف للتفكر وليس مفعولا للتفكر والمعنى : أن أسباب التفكر حاصلة لهم ، وهي أنفسهم لو تفكروا فيها كما ينبغي لعلموا وحدانية الله وصدق أنبيائه ، وقيل إنها مفعول للتفكر . والمعنى : أو لم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئا ، و " ما " في " ما خلق الله " نافية : أي لم يخلقها إلا بالحق الثابت الذي يحق ثبوته أو هي اسم في محل نصب على إسقاط الخافض : أي بما خلق الله والعامل فيها إما العلم الذي يؤدي إليه التفكر . وقال الزجاج : في الكلام حذف : أي فيعلموا ، فجعل ما معمولة للفعل المقدر لا للعلم المدلول عليه ، والباء في ( إلا بالحق ) إما للسببية ، أو هي ومجرورها في محل نصب على الحال : أي ملتبسة بالحق . قال الفراء : معناه إلا للحق : أي للثواب والعقاب ، وقيل بالحق بالعدل ، وقيل بالحكمة ، وقيل بالحق : أي أنه هو الحق وللحق خلقها ( وأجل مسمى ) معطف على الحق : أي وبأجل مسمى للسموات والأرض وما بينهما تنتهي إليه ، وهو يوم القيامة ، وفي هذا تنبيه على الفناء ، وأن لكل مخلوق أجلا لا يجاوزه . وقيل معنى ( وأجل مسمى ) أنه خلق ما خلق في وقت سماه لخلق ذلك الشئ ( وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ) أي الكافرون بالبعث بعد الموت ، واللام هي المؤكدة ، والمراد بهؤلاء الكفار على الإطلاق ، أو كفار مكة ( أو لم يسيروا في الأرض ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ لعدم تفكرهم في الآثار وتأملهم لمواقع الاعتبار ، والفاء في ( فينظروا ) للعطف على يسيروا داخل تحت ما تضمنه الاستفهام من التقريع والتوبيخ ، والمعنى : أنهم قد ساروا وشاهدوا ( كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) من طوائف الكفار الذين أهلكهم الله بسبب كفرهم بالله وجحودهم للحق وتكذيبهم للرسل ، وجملة ( كانوا أشد منهم قوة ) مبينة للكيفية التي كانوا عليها ، وأنهم أقدر من كفار مكة ومن تابعهم على الأمور الدنيوية ، ومعنى ( وأثاروا الأرض ) حرثوها وقلبوها للزراعة وزاولوا إلى أسباب ذلك ولم يكن أهل مكة أهل حرث ( وعمروها أكثر مما عمروها ) أي عمروها عمارة أكثر مما عمرها هؤلاء ، لأن أولئك كانوا أطول منهم أعمارا ، وأقوى أجساما ، وأكثر تحصيلا لأسباب المعاش ، فعمروا الأرض بالأبنية والزراعة والغرس ( وجاءتهم رسلهم ) بالبينات أي المعجزات ، وقيل بالأحكام الشرعية ( فما كان الله ليظلمهم ) بتعذيبهم على غير ذنب ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) بالكفر والتكذيب ( ثم كان عاقبة الذين أساءوا ) أي علموا السيئات من الشرك والمعاصي ( السوآي ) هي فعلى من السوء تأنيث الأسوأ ، وهو الأقبح : أي كان عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات ، وقيل هي اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة ، ويجوز أن تكون مصدرا كالبشرى والذكرى ، وصفت به العقوبة مبالغة . قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاقبة بالرفع على أنها اسم كان ، وتذكير الفعل لكون تأنيثها مجازيا ، والخبر السوآي : أي الفعلة أو الخصلة أو العقوبة السوآي أو الخبر ( أن كذبوا ) أي كان آخر أمرهم التكذيب ، وقرأ الباقون " عاقبة " بالنصب على خبر كان والاسم السويء ، أو أن كذبوا ، ويكون التقدير : ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساءوا ، والسوآي مصدر أساءوا أو صفة لمحذوف . وقال الكسائي : إن قوله ( أن كذبوا ) في محل نصب على العلة : أي لأن كذبوا بآيات الله التي أنزلها على رسله ، أو بأن كذبوا ، ومن القائلين بأن السوآي جهنم . الفراء والزجاج وابن قتيبة