قد تقدم الكلام على فاتحة هذه السورة في فاتحة سورة البقرة وتقدم الكلام على محلها من الإعراب ومحل أمثالها
في غير موضع من فواتح السور ، قرأ الجمهور : غلبت الروم بضم الغين المعجمة وكسر اللام مبنيا للمفعول ، وقرأ
علي بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري ومعاوية بن قرة وابن عمر وأهل الشام بفتح الغين واللام مبنيا للفاعل . قال
النحاس : قراءة أكثر الناس ( غلبت ) بضم الغين وكسر اللام . قال أهل التفسير : غلبت فارس الروم ففرح بذلك
كفار مكة وقالوا : الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب ، وافتخروا على المسلمين وقالوا : نحن أيضا
نغلبكم كما غلبت فارس الروم ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب . ومعنى ( في
أدنى الأرض ) في أقرب أرضهم من أرض العرب ، أو في أقرب أرض العرب منهم ، قيل هي أرض الجزيرة ،
وقيل أذرعات ، وقيل كسكر ، وقيل الأردن ، وقيل فلسطين ، وهذه المواضع هي أقرب إلى بلاد العرب من
غيرها ، وإنما حملت الأرض على أرض العرب لأنها المعهود في ألسنتهم إذا أطلقوا الأرض أرادوا بها جزيرة العرب
وقيل إن الألف واللام عوض عن المضاف إليه ، والتقدير : في أدنى أرضهم فيعود الضمير إلى الروم ، ويكون
المعنى : في أقرب أرض الروم من العرب . قال ابن عطية : إن كانت الوقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض
بالقياس إلى مكة ، وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى ، وإن كانت بالأردن فهي
أدنى إلى أرض الروم ( وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) أي والروم من بعد غلب فارس إياهم سيغلبون أهل فارس ،
والغلب والغلبة لغتان ، والمصدر مضاف إلى المفعول على قراءة الجمهور ، وإلى الفاعل على قراءة غيرهم . قرأ
الجمهور " سيغلبون " مبنيا للفاعل وقرأ علي وأبو سعيد ومعاوية بن قرة وابن عمر وأهل الشام على البناء للمفعول ،
وسيأتي في آخر البحث ما يقوي قراءة الجمهور في الموضعين . وقرأ أبو حياة الشامي وابن السميفع " من بعد غلبهم "
بسكون اللام ( في بضع سنين ) متعلق بما قبله ، وقد تقدم تفسير البضع واشتقاقه في سورة يوسف ، والمراد به هنا
ما بين الثلاثة إلى العشرة ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) أي هو المنفرد بالقدرة وإنقاذ الأحكام وقت مغلوبيتهم ووقت
غالبيتهم ، فكل ذلك بأمر الله سبحانه وقضائه ، قرأ الجمهور " من قبل ومن بعد " بضمهما لكونهما مقطوعين عن
الإضافة ، والتقدير : من قبل الغلب ومن بعده ، أو من قبل كل أمر ومن بعده . وحكى الكسائي من قبل ومن
بعد بكسر الأول منونا وضم الثاني بلا تنوين . وحكى الفراء من قبل ومن بعد بكسرهما من غير تنوين ، وغلطه
النحاس . قال شهاب الدين : قد قرئ بكسرهما منونين . قال الزجاج : ومعنى الآية : من متقدم ومن متأخر
( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) أي يوم أن تغلب الروم على فارس في بضع سنين يفرح المؤمنون بنصر الله
للروم لكونهم أهل كتاب كما أن المسلمين أهل كتاب ، بخلاف فارس فإنه لا كتاب لهم ، ولهذا سر المشركون
بنصرهم على الروم ، وقيل نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس ،
والأول أولى . قال الزجاج : وهذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله لأنه إنباء بما سيكون ،
وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه ( ينصر من يشاء ) أن ينصره ( وهو العزيز ) الغالب القاهر ( الرحيم ) الكثير الرحمة لعباده
المؤمنين ، وقيل المراد بالرحمة هنا : الدنيوية ، وهي شاملة للمسلم والكفر ( وعد الله لا يخلف الله وعده ) أي وعد
الله وعدا لا يخلفه ، وهو ظهور الروم على فارس ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أن الله لا يخلف وعده ، وهم
فتح القدير — صفحة 214
مساهمون: الشوكاني
ص٢١٤