تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
قد تقدم الكلام على فاتحة هذه السورة في فاتحة سورة البقرة وتقدم الكلام على محلها من الإعراب ومحل أمثالها في غير موضع من فواتح السور ، قرأ الجمهور : غلبت الروم بضم الغين المعجمة وكسر اللام مبنيا للمفعول ، وقرأ علي بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري ومعاوية بن قرة وابن عمر وأهل الشام بفتح الغين واللام مبنيا للفاعل . قال النحاس : قراءة أكثر الناس ( غلبت ) بضم الغين وكسر اللام . قال أهل التفسير : غلبت فارس الروم ففرح بذلك كفار مكة وقالوا : الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب ، وافتخروا على المسلمين وقالوا : نحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب . ومعنى ( في أدنى الأرض ) في أقرب أرضهم من أرض العرب ، أو في أقرب أرض العرب منهم ، قيل هي أرض الجزيرة ، وقيل أذرعات ، وقيل كسكر ، وقيل الأردن ، وقيل فلسطين ، وهذه المواضع هي أقرب إلى بلاد العرب من غيرها ، وإنما حملت الأرض على أرض العرب لأنها المعهود في ألسنتهم إذا أطلقوا الأرض أرادوا بها جزيرة العرب وقيل إن الألف واللام عوض عن المضاف إليه ، والتقدير : في أدنى أرضهم فيعود الضمير إلى الروم ، ويكون المعنى : في أقرب أرض الروم من العرب . قال ابن عطية : إن كانت الوقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة ، وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى ، وإن كانت بالأردن فهي أدنى إلى أرض الروم ( وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) أي والروم من بعد غلب فارس إياهم سيغلبون أهل فارس ، والغلب والغلبة لغتان ، والمصدر مضاف إلى المفعول على قراءة الجمهور ، وإلى الفاعل على قراءة غيرهم . قرأ الجمهور " سيغلبون " مبنيا للفاعل وقرأ علي وأبو سعيد ومعاوية بن قرة وابن عمر وأهل الشام على البناء للمفعول ، وسيأتي في آخر البحث ما يقوي قراءة الجمهور في الموضعين . وقرأ أبو حياة الشامي وابن السميفع " من بعد غلبهم " بسكون اللام ( في بضع سنين ) متعلق بما قبله ، وقد تقدم تفسير البضع واشتقاقه في سورة يوسف ، والمراد به هنا ما بين الثلاثة إلى العشرة ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) أي هو المنفرد بالقدرة وإنقاذ الأحكام وقت مغلوبيتهم ووقت غالبيتهم ، فكل ذلك بأمر الله سبحانه وقضائه ، قرأ الجمهور " من قبل ومن بعد " بضمهما لكونهما مقطوعين عن الإضافة ، والتقدير : من قبل الغلب ومن بعده ، أو من قبل كل أمر ومن بعده . وحكى الكسائي من قبل ومن بعد بكسر الأول منونا وضم الثاني بلا تنوين . وحكى الفراء من قبل ومن بعد بكسرهما من غير تنوين ، وغلطه النحاس . قال شهاب الدين : قد قرئ بكسرهما منونين . قال الزجاج : ومعنى الآية : من متقدم ومن متأخر ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) أي يوم أن تغلب الروم على فارس في بضع سنين يفرح المؤمنون بنصر الله للروم لكونهم أهل كتاب كما أن المسلمين أهل كتاب ، بخلاف فارس فإنه لا كتاب لهم ، ولهذا سر المشركون بنصرهم على الروم ، وقيل نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس ، والأول أولى . قال الزجاج : وهذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله لأنه إنباء بما سيكون ، وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه ( ينصر من يشاء ) أن ينصره ( وهو العزيز ) الغالب القاهر ( الرحيم ) الكثير الرحمة لعباده المؤمنين ، وقيل المراد بالرحمة هنا : الدنيوية ، وهي شاملة للمسلم والكفر ( وعد الله لا يخلف الله وعده ) أي وعد الله وعدا لا يخلفه ، وهو ظهور الروم على فارس ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أن الله لا يخلف وعده ، وهم