تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
والالتفات المؤذن بالمبالغة ( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ) قرأ الجمهور " يبلس " على البناء للفاعل . وقرأ السلمي على البناء للمفعول ، يقال أبلس الرجل : إذا سكت وانقطعت حجته . قال الفراء والزجاج : المبلس الساكت المنقطع في حجته الذي أيس أن يهتدى إليها ، ومنه يقول العجاج : يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا وقال الكلبي : أي يئس المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب ، وقد قدمنا تفسير الإبلاس عند قول - فإذا هم مبلسون - ( ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء ) أي لم يكن للمشركين يوم تقوم الساعة من شركائهم الذين عبدوهم من دون الله شفعاء يجيرونهم من عذاب الله ( وكانوا ) في ذلك الوقت ( بشركائهم ) أي بآلهتهم الذين جعلوهم شركاء لله ( كافرين ) أي جاحدين لكونهم آلهة لأنهم علموا إذ ذاك أنهم لا ينفعون ولا يضرون ، وقيل إن معنى الآية : كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتهم ، والأول أولى ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ) أي يتفرق جميع الخلق المدلول عليهم بقوله ( الله يبدأ الخلق ) والمراد بالتفرق أن كل طائفة تنفرد ، فالمؤمنون يصيرون إلى الجنة ، والكافرون إلى النار ، وليس المراد تفرق كل فرد منهم عن الآخر ، ومثله قوله تعالى - فريق في الجنة وفريق في السعير - وذلك بعد تمام الحساب فلا يجتمعون أبدا . ثم بين سبحانه كيفية تفرقهم فقال ( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون ) قال النحاس : سمعت الزجاج يقول معنى " أما " دع ما كنا فيه وخذ في غيره ، وكذا قال سيبويه : إن معناها : مهما يكن من شئ فخذ في غير ما كنا فيه ، والروضة كل أرض ذات نبات . قال المفسرون : والمراد بها هنا الجنة ، ومعنى يحبرون يسرون ، والحبور والحبرة السرور : أي فهم في رياض الجنة ينعمون . قال أبو عبيد : الروضة ما كان في سفل ، فإذا كان مرتفعا فهو ترعه . وقال غيره : أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في مكان مرتفع ، ومنه قول الأعشى : ما روضة من رياض الحزن معشبة * خضراء جاد عليها مسبل هطل وقيل معنى " يحبرون " يكرمون . قال النحاس : حكى الكسائي حبرته : أي أكرمته ونعمته ، والأولى تفسير يحبرون بالسرور كما هو المعنى العربي ، ونفس دخول الجنة يستلزم الإكرام والنعيم ، وفي السرور زيادة على ذلك . وقيل التحبير التحسين فمعنى يحبرون يحسن إليهم ، وقيل هو السماع الذي يسمعونه في الجنة ، وقيل غير ذلك ، والوجه ما ذكرناه ( وأما الذين كفروا ) بالله ( وكذبوا بآياتنا ) وكذبوا ب ( لقاء الآخرة ) أي البعث والجنة والنار ، والإشارة بقوله ( فأولئك ) إلى المتصفين بهذه الصفات ، وهو مبتدأ وخبره ( في العذاب محضرون ) أي مقيمون فيه ، وقيل مجموعون ، وقيل نازلون ، وقيل معذبون ، والمعاني متقاربة ، والمراد دوام عذابهم . ثم لما بين عاقبة طائفة المؤمنين وطائفة الكافرين أرشد المؤمنين إلى ما فيه الأجر الوافر والخير العام فقال ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فإذا علمتم ذلك فسبحوا الله : أي نزهوه عما لا يليق به في وقت الصباح والمساء وفي العشي وفي وقت الظهيرة . وقيل المراد بالتسبيح هنا الصلوات الخمس ، فقوله " حين تمسون " صلاة المغرب والعشاء ، وقوله " وحين تصبحون " صلاة الفجر ، وقوله " وعشيا " صلاة العصر ، وقوله " وحين تظهرون " صلاة الظهر ، كذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وغيرهما . قال الواحدي : قال المفسرون : إن معنى " فسبحان الله " فصلوا لله . قال النحاس : أهل التفسير على أن هذه الآية في الصلوات قال : وسمعت محمد بن يزيد يقول : حقيقته عندي فسبحوا الله في الصلوات ، لأن التسبيح يكون في الصلاة ، وجملة ( وله الحمد في السماوات والأرض ) معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين