تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
أي من تحت الغرف ( خالدين فيها ) أي في الغرف لا يموتون أبدا ، أو في الجنة ، والأول أولى ( نعم أجر العاملين ) المخصوص بالمدح محذوف : أي نعم أجر العاملين أجرهم ، والمعنى : العاملين للأعمال الصالحة . ثم وصف هؤلاء العاملين فقال ( الذين صبروا ) على مشاق التكليف وعلى أذية المشركين لهم ، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح ( وعلى ربهم يتوكلون ) أي يفوضون أمورهم إليه في كل إقدام وإحجام . ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل ، وهو النظر في حال الدواب فقال ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ) فقد تقدم الكلام في كأين ، وأن أصلها أي دخلت عليها كاف التشبيه وصار فيها معنى كم كما صرح به الخليل وسيبويه ، وتقديرها عندهما كشئ كثير من العدد من دابة . وقيل المعنى : وكم من دابة . ومعنى " لا تحمل رزقها " لا تطيق حمل رزقها لضعفها ولا تدخره ، وإنما يرزقها الله من فضله ويرزقكم فكيف لا يتوكلون على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها . قال الحسن : تأكل لوقتها ، لا تدخر شيئا . قال مجاهد : يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئا ( وهو السميع ) الذي يسمع كل مسموع ( العليم ) بكل معلوم . ثم إنه سبحانه ذكر حال المشركين من أهل مكة وغيرهم وعجب السامع من كونهم يقرون بأنه خالقهم ورازقهم ولا يوحدونه ويتركون عبادة غيره فقال ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ) أي خلقها ، لا يقدرون على إنكار ذلك ، ولا يتمكنون من جحوده ( فأنى يؤفكون ) أي فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرده بالإلهية ، وأنه وحده لا شريك له ، والاستفهام للإنكار والاستبعاد . ولما قال المشركون لبعض المؤمنين : لو كنتم على حق لم تكونوا فقراء دفع سبحانه ذلك بقوله ( الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ) أي التوسيع في الرزق والتقتير له هو من الله الباسط القابض يبسطه لمن يشاء ويضيقه على من يشاء على حسب ما تقتضيه حكمته ، وما يليق بحال عباده من القبض والبسط ، ولهذا قال ( إن الله بكل شئ عليم ) يعلم ما فيه صلاح عباده وفسادهم ( ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ) أي نزله وأحيا به الأرض الله ، : يعترفون بذلك لا يجدون إلى إنكاره سبيلا . ثم لما اعترفوا هذا الاعتراف في هذه الآيات ، وهو يقتضي بطلان ما هم عليه من الشرك وعدم إفراد الله سبحانه بالعبادة ، أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحمد الله على إقرارهم وعدم جحودهم مع تصلبهم في العناد وتشددهم في رد كل ما جاء به رسول الله من التوحيد فقال ( قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ) أي احمد الله على أن جعل الحق معك ، وأظهر حجرك عليهم ، ثم ذمهم فقال ( بل أكثرهم لا يعقلون ) الأشياء التي يتعقلها العقلاء . فلذلك لا يعملون بمقتضى ما عترفوا به مما يستلزم بطلان ما هم عليه عند كل عاقل . ثم أشار سبحانه إلى تحقير الدنيا وأنها من جنس اللعب واللهو : وأن الدار على الحقيقة هي دار الآخرة فقال ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولهب ) من جنس ما يلهو به الصبيان ويلعبون به ( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ) . قال ابن قتيبة وأبو عبيدة : إن الحيوان الحياة . قال الواحدي : وهو قول جميع المفسرين ذهبوا إلى أن معنى الحيوان ههنا الحياة ، وأنه مصدر بمنزلة الحياة فيكون كالنزوان والغليان ويكون التقدير : وإن الدار الآخرة لهي دار الحيوان ، أو ذات الحيوان : أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا ينغصها موت ولا مرض ، ولا هم ولا غم ( لو كانوا يعلمون ) شيئا من العلم لما آثروا عليها الدار الفانية المنغصة . ثم بين سبحانه أنه ليس المانع لهم من الإيمان إلا مجرد تأثير الحياة فقال ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ) أي إذا انقطع رجاؤهم من الحياة وخافوا الغرق رجعوا إلى الفطرة ، فدعوا الله وحده كائنين على صورة المخلصين له الدين بصدق نياتهم ، وتركهم عند ذلك لدعاء الأصنام لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير الله سبحانه ( فلما نجاهم
فتح القدير — صفحة 211 | الشوكاني