تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
أي ومن يمدحه وينصره سواء . ومثله قوله تعالى - وما منا إلا له مقام معلوم - أي إلا من له مقام معلوم . والمعنى : أنه لا يعجزه سبحانه أهل الأرض ولا أهل السماء في السماء إن عصوه . وقال قطرب : إن معنى الآية : ولا في السماء لو كنتم فيها ، كما تقول : لا يفوتني فلان هاهنا ولا بالبصرة : يعني ولا بالبصرة لو صار إليها . وقال المبرد : المعنى ولا من في السماء . على أن من ليست موصولة بل نكرة ، وفي السماء صفة لها ، فأقيمت الصفة مقام الموصوف ، ورد ذلك علي بن سليمان وقال : لا يجوز ، ورجح ما قاله قطرب ( وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) من مزيدة للتأكيد : أي ليس لكم ولي يواليكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم عذاب الله ( والذين كفروا بآيات الله ولقائه ) المراد بالآيات الآيات التنزيلية أو التكوين أو جميعهما ، وكفروا بلقاء الله : أي أنكروا البعث وما بعده ولم يعملوا بما أخبرتهم به رسل الله سبحانه ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الكافرين بالآيات واللقاء . وهو مبتدأ وخبره ( يئسوا من رحمتي ) أي إنهم في الدنيا آيسون فيه من رحمة الله لم ينجع فيهم ما نزل من كتب الله ولا ما أخبرتهم به رسله . وقيل المعنى : أنهم ييأسون يوم القيامة من رحمة الله وهي الجنة . والمعنى : أنهم أو يسوا من الرحمة ( وأولئك لهم عذاب أليم ) كرر سبحانه الإشارة للتأكيد ، ووصف العذاب بكونه أليما للدلالة على أنه في غاية الشدة ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه ) هذا رجوع إلى خطاب إبراهيم بعد الاعتراض بما تقدم من خطاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم على قول من قال : إن قوله قل سيروا في الأرض خطاب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما على قول من قال : إنه خطاب لإبراهيم عليه السلام ، فالكلام في سياقه سابقا ولاحقا : أي قال بعضهم لبعض عند المشاورة بينهم : افعلوا بإبراهيم أحد الأمرين المذكورين ، ثم اتفقوا على تحريقه ( فأنجاه الله من النار ) وجعلها عليه بردا وسلاما ( إن في ذلك ) أي في إنجاء الله لإبراهيم ( لآيات ) بينة : أي دلالات واضحة وعلامات ظاهرة على عظيم قدرة الله وبديع صنعه : حيث أضرموا تلك النار العظيمة وألقوه فيها ولم تحرقه ولا أثرت فيه أثرا ، بل ثارت إلى حالة مخالفة لما هو شأن عنصرها من الحرارة والإحراق ، وإنما خص المؤمنون ، لأنهم الذين يعتبرون بآيات الله سبحانه ، وأما من عداهم فهم عن ذلك غافلون . قرأ الجمهور بنصب " جواب قومه " على أنه خبر كان وما بعده اسمها . وقرأ سالم الأفطس وعمرو بن دينار والحسن برفعه على أنه اسم كان وما بعده في محل نصب على الخبر ( وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ) أي قال إبراهيم لقومه : أي للتوادد صلى بينكم والتواصل لاجتماعكم على عبادتها ، وللخشية من ذهاب المودة فيما بينكم إن تركتم عبادتها . قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي " مودة بينكم " برفع مودة غير منونة ، وإضافتها إلى بينكم . وقرأ الأعمش وابن وثاب " مودة " برفعها منونة . وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بنصب " مودة " منونة ونصب بينكم على الظرفية . وقرأ حمزة وحفص بنصب " مودة " مضافة إلى بينكم . فأما قراءة الرفع فذكر الزجاج لها وجهين : الأول أنها ارتفعت على خبر إن في إنما اتخذتم وجعل ما موصولة ، والتقدير : إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودة بينكم . والوجه الثاني أن تكون على إضمار مبتدأ : أي هي مودة أو تلك مودة . والمعنى : أن المودة هي التي جمعتكم على عبادة الأوثان واتخاذها . قيل ويجوز أن تكون مودة مرتفعة بالابتداء وخبرها في الحياة الدنيا . ومن قرأ برفع مودة منونة فتوجيهه كالقراءة الأولى ، ونصب بينكم على الظرفية . ومن قرأ بنصب مودة ولم ينونها جعلها مفعول اتخذتم وجعل إنما حرفا واحدا للحصر ، وهكذا من نصبها ونونها . ويجوز أن يكون النصب في هاتين القراءتين على أن المودة علة فهي مفعول لأجله ، وعلى قراءة الرفع يكون مفعول اتخذتم الثاني محذوفا : أي أوثانا آلهة ، وعلى تقدير أن ما في قوله " إنما اتخذتم " موصولة يكون المفعول الأول ضميرها : أي اتخذتموه ، والمفعول