تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
أجمل سبحانه قصة نوح تصديقا لقوله في أول السورة ( ولقد فتنا الذين من قبلهم ) وفيه تثبيت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كأنه قيل له : إن نوحا لبث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل ، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك . قيل ووقع في النظم إلا خمسين عاما ولم يقل تسعمائة سنة وخمسين . لأن في الاستثناء تحقيق العدد بخلاف الثاني ، فقد يطلق على ما يقرب منه . وقد اختلف في مقدار عمر نوح . وسيأتي آخر البحث . وليس في الآية إلا أنه لبث فيهم هذه المدة ، وهي لا تدل على أنها جميع عمره . فقد تلبث في غيرهم قبل اللبث فيهم ، وقد تلبث في الأرض بعد هلاكهم بالطوفان ، والفاء في ( فأخذهم الطوفان ) للتعقيب : أي أخذهم عقب تمام المدة المذكورة ، والطوفان يقال لكل شئ كثير مطيف بجمع محيط بهم من مطر أو قتل أو موت قاله النحاس . وقال سعيد بن جبير وقتادة والسدي : هو المطر . وقال الضحاك : الغرق ، وقيل الموت ، ومنه قول الشاعر : * أفناهم طوفان موت جارف * وجملة ( وهم ظالمون ) في محل نصب على الحال : أي مستمرون على الظلم ولم ينجع فيهم ما وعظهم به نوح وذكرهم هذه المدة بطولها ( فأنجيناه وأصحاب السفينة ) أي أنجينا نوحا وأنجينا من معه في السفينة من أولاده وأتباعه . واختلف في عددهم على أقوال ( وجعلناها ) أي السفينة ( آية للعالمين ) أي عبرة عظيمة لهم ، وفي كونها آية وجوه : أحدها أنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة . وثانيها أن الله سلم السفينة من الرياح المزعجة . وثالثها أن الماء غيض قبل نفاذ الزاد . وهذا غير مناسب لوصف السفينة بأن الله جعلها آية ، وقيل إن الضمير راجع في جعلناها إلى الواقعة أو إلى النجاة ، أو إلى العقوبة بالغرق . ( وإبراهيم إذ قال لقومه ) انتصاب إبراهيم بالعطف على نوحا . وقال النسائي : هو معطوف على الهاء في جعلناها . وقيل منصوب بمقدر : أي واذكر إبراهيم . وإذ قال منصوب على الظرفية : أي وأرسلنا إبراهيم وقت قوله لقومه اعبدوا الله أو جعلنا إبراهيم آية وقت قوله هذا : أو واذكر إبراهيم وقت قوله ، على أن الظرف بدل اشتمال من إبراهيم ( اعبدوا الله واتقوه ) أي أفردوه بالعبادة وخصوه بها واتقوه أن تشركوا به شيئا ( ذلكم خير لكم ) أي عبادة الله وتقواه خير لكم من الشرك ، ولا خير في الشرك أبدا ، ولكنه خاطبهم باعتبار اعتقادهم ( إن كنتم تعلمون ) شيئا من العلم ، أو تعلمون علما تميزون به بين ما هو خير وما هو شر . قرأ الجمهور " وإبراهيم " بالنصب ، ووجهه ما قدمنا . وقرأ النخعي وأبو جعفر وأبو حنيفة بالرفع على الابتداء والخبر مقدر : أي ومن المرسلين إبراهيم ( إنما تعبدون من دون الله أوثانا ) بين لهم إبراهيم أنهم يعبدون مالا ينفع ولا يضر ولا يسمع ولا يبصر ، والأوثان هي
فتح القدير — صفحة 196 | الشوكاني