تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
قوله ( ولوطا ) منصوب بالعطف على نوحا ، أو على إبراهيم ، أو بتقدير أذكر . قال الكسائي : المعنى وأنجينا لوطا ، أو وأرسلنا لوطا ( إذ قال لقومه ) ظرف للعامل في لوط ( إنكم لتأتون الفاحشة ) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر " أئنكم " بالاستفهام . وقرأ الباقون بلا استفهام ، والفاحشة الخصلة المتناهية في القبح ، وجملة ( ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) مقررة لكمال قبح هذه الخصلة ، وأنهم منفردون بذلك لم يسبقهم إلى عملها أحد من الناس على اختلاف أجناسهم . ثم بين سبحانه هذه الفاحشة فقال ( أئنكم لتأتون الرجال ) أي تلوطون وقال بهم ( وتقطعون السبيل ) قيل إنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين ، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم ، فقطعوا السبيل بهذا السبب . قال الفراء : كانوا يعترضون الناس في الطرق بعملهم الخبيث ، وقيل كانوا يقطعون الطريق على المارة بقتلهم ونهبهم ، والظاهر أنهم كانوا يفعلون ما يكون سببا لقطع الطريق من غير تقييد بسبب خاص ، وقيل إن معنى قطع الطريق : قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال ( وتأتون في ناديكم المنكر ) النادي والندى والمنتدى مجلس القوم ومتحدثهم . واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه ، فقيل كانوا يحذفون الناس بالحصباء ، ويستخفون بالغريب ، وقيل كانوا يتضارطون في مجالسهم ، وقيل كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضا ، وقيل كانوا يلعبون بالحمام ، وقيل كانوا يخضبون أصابعهم بالحناء ، وقيل كانوا يناقرون بين الديكة ويناطحون بين الكباش ، وقيل يلعبون بالنرد والشطرنج ويلبسون المصبغات ، ولا مانع من أنهم كانوا يفعلون جميع هذه المنكرات . قال الزجاج : وفي هذا إعلام أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المنكر وأن لا يجتمعوا على الهزؤ والمناهي . ولما أنكر لوط عليهم ما كانوا يفعلونه أجابوا بما حكى الله عنهم بقوله ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ) أي فما أجابوا بشئ إلا بهذا القول رجوعا منهم إلى التكذيب واللجاج والعناد ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية ، وقد تقدم في سورة النمل - فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم - وتقدم في سورة الأعراف - فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم - وقد جمع بين هذه الثلاثة المواضع بأن لوطا كان ثابتا على الإرشاد ومكررا للنهي لهم والوعيد عليهم ، فقالوا له أولا : ائتنا بعذاب الله كما في هذه الآية ، فلما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا : أخرجوهم كما في الأعراف والنمل ، وقيل إنهم قالوا أولا أخرجوهم من قريتكم ، ثم قالوا ثانيا ائتنا بعذاب الله . ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة عليهم من الله سبحانه ف ( قال رب انصرني على القوم المفسدين ) بإنزال عذابك عليهم وإفسادهم هو بما سبق من إتيان الرجال وعمل المنكر في ناديهم ، فاستجاب الله سبحانه وبعث لعذابهم ملائكته وأمرهم بتبشير إبراهيم قبل عذابهم ، ولهذا قال ( ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ) أي بالبشارة بالولد وهو إسحاق ، وبولد الولد وهو يعقوب ( قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية ) أي قالوا لإبراهيم هذه المقالة ، والقرية هي قرية سدوم التي كان فيها قوم لوط ، وجملة ( إن أهلها كانوا ظالمين ) تعليل للإهلاك : أي إهلاكنا لهم بهذا السبب ( قال إن فيها لوطا ) أي قال لهم إبراهيم : إن في هذه القرية التي أنتم مهلكوها لوطا فكيف تهلكونها ؟ ( قالوا نحن أعلم بمن فيها ) فيها من الأخيار والأشرار ونحن أعلم من غيرنا بمكان لوط ( لننجينه وأهله ) من العذاب . قرأ الأعمش وحمزة ويعقوب والكسائي " لننجينه " بالتخفيف ، وقرأ الباقون بالتشديد ( إلا امرأته كانت من الغابرين ) أي الباقين في العذاب ، وهو لفظ مشترك بين الماضي والباقي ، وقد تقدم تحقيقه ، وقيل المعنى : من الباقين في القرية التي سينزل بها العذاب ، فتعذب من جملتهم ولا تنجو فيمن نجا ( ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم ) أي لما جاءت الرسل لوطا بعد مفارقتهم إبراهيم سئ بهم :